دروس.. من الحرب السورية
نقف على حدود الجرح السوري النازف، والألم الذي يجتاح قلب كل حر شريف على ما آلت إليه سوريا من دمار وخراب وقتل وفقدان للأمن والاستقرار.. نقف محاولين الخروج من عواطفنا وأمنياتنا لنرى آثار هذه الحرب المتواصلة منذ أشهر عديدة.. ومنذ البداية، لا بد أن نقرر أنها حرب لم تنحصر بين الدولة السورية والمعارضة المسلحة، بل هي بين جبهتين، كل واحدة منهما تشمل دولا وأحزابا وقوى وعلماء دين وفعاليات متعددة، لذلك النتائج ستطال كل عنصر مشترك في هذه الحرب وستطال بشكل حاد أحد الفريقين اللذين ينخرطان فيها.
يظن كثيرون أن الإيمان والمسائل النظرية في علم الكلام هو الحاسم في المعارك ونتائجها. ويتمادى البعض بالمظاهر الصوتية وإبداء الرغبات والأماني ومحاولة فرضها على منهج التحليل.. وهذا جميعه يظهر فساده باستعراض سنة المصطفى محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وآله وسلم –.. وكذا باستعراض سير كل المنتصرين عبر التاريخ، حيث يكون الحشد والتحالفات وإدارة المعركة والحسابات الدقيقة فيها هي المحدد لمآلات المعارك.
أول الدروس المهمة هو درس التحالفات الاستراتيجية التي تجلت في العلاقة بين حزب الله وسوريا وإيران وروسيا.. ويكاد الجميع يؤكد بأن صمود سوريا لم يكن ليحقق لها الاستمرار في الوجود لولا الغطاء الدولي الذي حققته روسيا والدعم الإقليمي المالي والسياسي الضخم الذي قدمته لها إيران، وكذلك الدعم الميداني الذي قدمه لها حزب الله بمقاتلين خبراء..
وفي المقابل، اصطفاف دول التحالف بين القوى ذات المصلحة في إسقاط النظام في سوريا مكونة من حكومة أردوغان ومشيخة قطر والمجموعات المسلحة ومجموعات القاعدة في كل مكان، كما هو الدعم الغربي والأمريكي سياسيا وماليا وتسليحا.
في التحالف الأول تبرز هناك فكرة جامعة للموقف ألا وهي المعاداة للسياسة الأمريكية وللمخطط الأمريكي وللمشروع الأمريكي في المنطقة والعالم.. وهكذا تدخل الدولة السورية الحرب مدعومة إقليميا ودوليا بما يكفي لإعطائها فرصة المواجهة.. وفي الاصطفاف الثاني هناك مشكلة أن الغرب- وأمريكا على رأسه- لا يؤمنون بالتحالف إنما بالذيلية والتبعية من قبل دول المنطقة. وعندما يرون في صديق لهم أنه خرج عن الإطار المرسوم له ينقلبون عليه ويطيحون به، كما فعلوا بصدام حسين وكما يفعلون الآن بأردوغان ومشيخة قطر..
هذا الدرس الكبير الذي يكشف حقيقة فهم الإدارة الأمريكية، ومن خلفها الغرب، مسألة التحالف والاصطفاف، حيث تسكن الإدارة الأمريكية عقدة التسيد التي لا تقبل من أحد أن يكون له موقف متفرد وأن تنمو قوة أي جهة، حتى عملاؤها، فهي حينذاك تفعل به ما تفعل بأعدائها..
هناك إشارات مهمة لا بد من استحضارها في هذه اللحظات.. كيف انهزمت (م ت ف) بل المقاومة الفلسطينية خلال القرن الفائت في مواجهة اسرائيل؟ وكيف انهزم العراق صدام حسين؟ وكيف سقطت ليبيا؟ وكيف تمزقت السودان؟؟ كل ذلك لأسباب عدة، على رأسها عدم العمل على توفير تحالف إقليمي وآخر دولي يكون التحرك من خلاله نحو أهداف واقعية يمكن للتحالف هذا الدفاع عنها. بل كان عداء الجوار واستنفار المنطقة والدخول في معارك وهمية استثارية كلامية ضد الأمريكان أو غيرهم لم يكن إلا الأسلوب الذي يمارس.
إنه الدرس الكبير البارز في الحرب السورية ألا وهو نجاح النظام في المحافظة على تحالفه الاستراتيجي مع إيران. وهذا التحالف هو الذي حقق لسوريا تحالفا حقيقيا مع الروس.. حيث لم يكن سهلا إيجاد تحالف روسي مع سوريا..
أجل، كانت نتائج الحرب السورية أن عادت روسيا إلى المربع السياسي من أوسع أبوابه لتصبح موسكو محجا للزعماء الأوربيين وقطبا جديدا ينهي مرحلة التفرد القطبي الأمريكي.. والنتيجة الأخرى أن أصبحت إيران رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في ترتيب المنطقة.. كما أن النظام السوري أصبح قاعدة الارتكاز لمواجهة المقاتلين الأجانب. ومن هنا يبدأ العد لمرحلة جديدة والله غالب على أمره ولو كره المجرمون.