الرأي

دروس وعبر من نازلة “الرياح”!

سلطان بركاني
  • 1759
  • 0

لعلّه لا يليق بنا نحن المؤمنين بالله واليوم الآخر، أن يطوى الحديث عن نازلة “الرياح” التي شغلت الصّغير والكبير والذّكر والأنثى في بلدنا خلال الأيام الماضية، من دون أن نقف معها وقفات نستخلص من خلالها الدروس ونلتمس العبر.

فالقرآن الكريم قد شنّع على أقوام طبعُهم الغفلة والذّهول عن آيات الله ونذره: ((كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون)) (يوسف: 105)، ومن دلائل غفلة الأرواح وقسوة القلوب أن تمرّ مثل هذه النوازل ويكون حظّ النّاس منها أرشيفا في تقارير الأرصاد ونشرات الأخبار!

الدرس الأوّل: ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)):
أكثر ما لوحظ خلال أيام النازلة، أنّ جُلّ الجزائريين تعاملوا معها بجفاء ولا مبالاة، في الواقع وفي المواقع، حتى امتلأت الصفحات بمنشورات تتحدث عن الرياح بشيء من التفكّه والمزاح.. وكأنّنا ضمنّا السلامة بعد أن حدّدت لنا الأرصاد الجوية سرعة هبوب الرياح ووقتها والمناطق التي تمرّ بها!
نعم، الاستعانة بالعلم واجب من آكد الواجبات، وقلوبنا تتحسّر على تخلّف الأمّة عن ركب الأمم الأخرى في ميادين العلم المختلفة، وتتمنّى لو أنّ أمّتنا كانت رائدة في علوم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية والتنبؤات والتخطيط، وفي علوم الأحياء والطبّ والهندسة، لتعطي للبشرية أنصع صورة عن دينها الحقّ وتذلّل الطّريق أمام العالمين ليدخلوا في دين الله أفواجا.. ولكنّ أمّتنا في القرن الأخير رضيت –مع كلّ أسف- بأن تكون عالة على الأمم الأخرى في كلّ العلوم، والأنكى من ذلك أنّها لا تأخذ من العلوم إلا قشورها وحواشيها، مع كثير من الإهمال واللامبالاة.. وقد رأينا في النازلة الأخيرة كيف أنّ التنبؤات لم تصدق بالصورة التي عرضتها الأرصاد. وهذا ما يفترض أن يجعلنا نحتاط أكثر، لأنّ من يخطئ بالزيادة، قد يخطئ بالنقصان!
هذا لا يعني أنّ الأمم الأخرى قد بلغت في علم الأرصاد مداه ووصلت في علوم الفلك والفضاء ما يجعلها قادرة على توقع كلّ كارثة يمكن أن تلمّ بالعالم وكلّ خطر يمكن أن يتهدّد الأرض؛ فهي رغم تطوّرها الرّهيب لا تزال جاهلة بكثير من أغوار الكون، وعاجزة عن فهم كثير من الحقائق، وعن الإحاطة بما يخبئه الغيب القريب فضلا عن الغيب البعيد. ((وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)).
الأرصاد الجوية علم قائم بذاته، لكنّ نسبة الارتياب فيه لا تزال كبيرة، والخطأ فيه وارد ومتكرّر، حتى عند الأمم المتقدّمة.

الدرس الثاني: ((أولم يروا أنّ الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة)):
ما دامت البشرية تدرك يقينا أنّها ما أوتيت من علم الكون المنظور إلا قليلا، فالمفترض في حقها أن تتواضع لخالقها وتعرف قدرها وحدّها.. فهي كلّها بعلومها وأجهزتها وأسلحتها جزء بسيط من أرض تتحرّك في فضاء فسيح مليء بأخطار أصغرها لا يستطيع ردّه أقوى الأجهزة التي يملكها البشر.
في آواخر شهر ديسمبر من العام 1968م، وخلال رحلة الفضاء “أبولو 8″، رأى رواد الفضاء الأمريكان من خلف القمر مشهداً مذهلا وصفوه بـ”شروق الأرض”؛ رأوا الأرض تشرق زرقاء صغيرة ضعيفة من خلف كتلة القمر، في فضاء موحش؛ فانتابتهم حالة نفسية أطلق عليها علماء النفس لاحقاً اسم: “تأثير النظرة الشاملة”، وقال أحدهم: “الشيء الذي فاجأني حقًا هو هشاشة الأرض؛ لقد بدت صغيرة، لامعة، جميلة، وضعيفة”.
هذه الأرض التي تدور عليها الحروب، ويستعلي فيها بعض البشر ويغترون بقوتهم ويستعبدون الضعفاء على ظهرها، لا تكاد تساوي شيئا في الكون الفسيح الذي خلقه الله.. وكلمةٌ منه –سبحانه- كافية بأن تميد هذه الأرض وتضطرب بمن فيها ويصبح كلّ من عليها أثرا بعد عين.. الخالق العظيم الذي أحاط هذه الأرض وحماها وجعلها تتحرك في فضاء موحش ومرعب في أمن وأمان، قادر على يكشف عنها حفظه وستره في لحظة فلا يبقى على ظهرها مخلوق واحد.. ((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
دولة أمريكا الظّالمة الباغية، التي أبت في هذا الزّمان إلا أن تستنسخ ما فعلته عاد الأولى في زمن غابر، هذه الدّولة التي غرّها ما عندها من القوة والعلم، مرّت بها في تاريخها الحديث قوارع جعلتها تبدو للعالم أضعف ما تكون.. ومن ذلك الإعصار الذي ضربها في العام 2005م، إعصار كاترينا الذي بلغت سرعته 280 كم/سا، وتسبب في مقتل 1833 شخصا، فضلا عن خسائر مادية قدرت بنحو 108 مليار دولار أميركي!

الدرس الثّالث: لماذا لا نتعامل مع نذر القرآن كما نتعامل مع إنذارات الأرصاد الجوية؟
عندما نرى من أنفسنا كيف نتعامل مع تحذيرات الأرصاد الجوية من هبوب الرياح العاتية ونزول الأمطار الغزيرة وتساقط الثلوج الكثيفة، ونرى كيف أنّنا نأخذ احتياطاتنا ونهيّئ كلّ ما يمكننا تهيئته حتى يمرّ المتوقّع بأقلّ الأضرار؛ فنرى مثلا-كيف أنّ صاحب السيارة يركن سيارته في مكان آمن، والتاجر يدخل إلى المستودع كلّ بضاعته، والفلاح ربّما يبيت ساهرا خوفا على ممتلكاته.. لكنّنا مع كلّ أسف نقرأ ونسمع آيات القرآن تحدّثنا عن الموت وعن أهوال القيامة وعن الحساب، فلا نخاف ولا نعدّ أنفسنا لما هو قادم.. نقرأ أو نسمع قول الله –تعالى-: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُم))، وقوله –سبحانه-: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ))، وقوله -جلّ شأنه-: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ))،… نقرأ أو نسمع هذه الآيات، وغيرها كثير، فلا تحرّك فينا ساكنا، وكأنّما تتحدّث عن شيء مضى وانقضى، وليس عن أمر قادم ينبغي لنا أن نستعدّ له!
الكوارث التي تتنبأ بها الأرصاد الجوية، يمكن أن تصيبنا في شيء من دنيانا، وقد نستطيع تعويض الخسائر.. لكنّ الأهوال التي حدّثنا عنها ربّنا وتقع يقينا قُبيل وأثناء وبعد يوم القيامة، أعظم بما لا يقارن من كوارث الدّنيا، والخسارة فيها لا تعوّض.. لقد كبرت الدّنيا في قلوبنا كثيرا وهانت الآخرة حتى كدنا ننساها، مع أنّ الدنيا فانية والآخرة باقية.

مقالات ذات صلة