الشروق العربي
سر تسميتها وأصلها..

دقلة نور.. الثمرة الجزائرية النادرة التي أسالت لعاب الملايين

فاروق كداش
  • 5294
  • 0

ثمرة من شجرة مباركة، طعمها مسك، تنقلك من أي مكان أنت فيه، في عرس، في ختان، في بيتك وأنت تتناول عشاءك، إلى واحات النخيل الغناء، وتسمعك خرير الماء المتدفق في الفقارات.. فسبحان من خلق قطميرها ونقيرها وفتيلها، وكأنها كوكب دري في مجرات بعيدة. الشروق العربي، تأخذكم بقضمة، في رحلة البحث عن سر أشهر ثمرة في العالم.. دقلة نور.

يقال إن دقلة نور سميت بهذا الاسم نسبة إلى امرأة صالحة، اسمها نورة. وقد غرست أول نواة، وتمنت أن تسمى هذه الثمرة باسمها. في رواية أخرى، يقال إن هذه المرأة الصالحة لم تغرس الثمرة بنفسها، بل نبتت أشجار النخيل هذه حول قبرها، بعد سقوط بعض النوى من متاع حجاج المنطقة.

ووفقًا لموروث منطقة تقرت، فإن أصل التسمية هذه الدقلة يعود إلى ابنة تنحيح موسى التلاوي، ملك تالا، العاصمة السابقة لوادي ريغ، وكانت ابنته عائشة بنت تنحيح فاتنة جدا، ولقبت بـلالة نورة، بسبب جمالها.

بينما يقول المؤرخ شاربونو إن دڨلة نور لها معنى آخر، يعني الشفاف.. وهذا، بسبب لونها الأشقر، وملمسها الناعم. وبحسب مصادر عديدة، فإن موطن دقلة نور الأصلي هو وادي ريغ. وقد ورد في كتاب نشر عام 1864 أن دقلة نور جزائرية بحتة. وقد كتبها المؤلف باللغة العربية أيضا. وأضاف: “هي النوع الأكثر طلبا والأغلى سعرا. سعفه أكثر خفة وأكثر نعومة. والعراجين تتدلى بطريقة لا تشبه أشجار النخيل الأخرى”.. ويتابع الكاتب وصفه لدقلة النور: “دقلة نور، هي تمر مترف وغال، يصدّر إلى أوروبا، ولا يستهلك كثيرا لغلائه. وهي نادرة في الواحات القديمة. وتباع فسيلة منها بثمانية فرنكات. أما الصاع من الثمرة، فيصل إلى أربعين فرنكا،. وتباع دقلة نور بعرجون قد يصل أحيانا إلى عشرات الكيلوغرامات”.

تعني كلمة دقلة تمرا، وأيضا أصبعا، لأن التمر يشبه الأصبع. هي ملكة التمور في العالم، رغم أن هناك من يكابر ويحتج  على ما نقول.

نشأت دقلة نور في وادي ريغ، في نهاية القرن الثالث عشر، أو بداية القرن الرابع عشر. تدعم العديد من الكتب والقصص القديمة أطروحة الوجود القديم لدقلة نور، في الجزائر، وعلى وجه الخصوص، كتب قيمة مثل “شجرة النخيل” بقلم بيير مونييه، “الجزائر: قرن من الاستعمار الفرنسي”، لفيليكس فالك، “رحلة إلى بلد التمر”، لجان هنري فابر، أو نشرة الجمعية النباتية في فرنسا.

يذكر بيير مونييه أن هذه الثمرة نشأت في طولقة ثم هاجرت باتجاه محيط بسكرة إلى وادي ريغ، ومن ثم باتجاه الجنوب التونسي، بواسطة مزارع من مدينة توزر، يسمى سيدي تواتي.

وبحسب المؤرخين، فإن بساتين النخيل في وادي ريغ قديمة قدم الحضارات التي تعاقبت على المنطقة. وقد تم تسويق العديد من تمور المنطقة تحت النير الروماني.

وقد تم العثور على نقش لاتيني في منطقة زراية بالحضنة، يعود إلى تاريخ 202 ميلادي، يذكر التمور بين المواد الغذائية والسلع المتداولة في السوق.

لتوضيح الأهمية الكبيرة لدقلة نور، يجب أن نذكر أنه كان الصنف الذي اختاره المستعمر الفرنسي، ابتداء من سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، لأنه كان مناسبًا للتصدير إلى السوق الأوروبية، في حين إن المئات من الأصناف الأخرى هبطت إلى مصاف العامة.

كانت الزراعة الاستعمارية هي التي ابتكرت بستان النخيل الحديث، الذي يبرز من بساتين النخيل القديمة، من حيث كونه يستثني عشرات النباتات المزروعة عادة في الواحات، لمصلحة تمرة واحدة، هي دقلة نور. وغالبًا ما كانت هذه الزراعة الأحادية السبب غير المباشر لمشاكل الري في بساتين النخيل القديمة، لأن الآبار الحديثة التي تم حفرها لريها غالبًا ما أدت إلى جفاف الينابيع القديمة لبساتين النخيل الأخرى.

مقالات ذات صلة