الرأي

دموع من لجين على استشهاد الحسين

عبد الرزاق قسوم
  • 831
  • 0

كلما أظلنا يوم العاشر من محرم، كل سنة، هذا الموعد المعروف بيوم عاشوراء، والمثقل بالذكريات والاعتبارات، إلا وأحيى فينا التذكر والتفكر، وشتى أنواع المعاني والعبر.

يوم عاشوراء، هذه المناسبة الدينية، يستقبلها  العالَمُ الإسلامي، فيستخلص منها قيم الوَحدة، والتضامن، وتحصين الوعي، وشحذ الإرادة، أو هكذا يجب أن تكون.

غير أن العكس هو الصحيح؛ فالمناسبة تحيي فينا من جديد نعرة الطائفية وفرقة المذهبية، وتعمق فينا الانقسام داخل الأمة الإسلامية، إلى سنية وشيعية.

وإذا كان أهل السُّنة يحيطون عاشوراء بالذكر والصيام، على اعتبار أنه اليوم الذي نجى فيه الله موسى، من جبروت فرعون، وعتوِّه، وفساده، ونحن أحق بموسى كمسلمين من اليهود قتلة الأنبياء، وأتباع الأنبياء من المجاهدين والأتقياء.

إذا كان ذلك هو حال أهل السُّنة، فإن إخواننا من أهل الشيعة، يجعلون من هذا اليوم مناحة و”يحيونه” بلطم الخدود، وشق الجيوب، حزنا على استشهاد الحسين ارضي الله عنه.

وبين نجاة نبي الله موسى، واغتيال سبط رسول الله الحسين، ضاعت الأمة الإسلامية في كيفية التعامل مع الحدثين.

وللتاريخ، نحبّ أن نسلط بعض الضوء على مأساة استشهاد الحسين، فلا يختلف اثنان في أن الحسين قُتل مظلوما، وأول من غدر به هم أتباعُه الذين استدرجوه إلى العراق، من أجل مبايعته، بدل يزيد بن معاوية.

كما أن من المسَلَّم به، أن الشهيد الحسين لم يكن –بذهابه إلى العراق- طالب دنيا، بل ذهب نصرة للدين، ولكنه راح ضحية إخلاصه لهذا المبدأ.

لقد نصحه الصحابة من أمثال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، بعدم الثقة في العراقيين، والدليل أنهم قتلوا مبعوثه مسلم بن عقيل، الذي غدر به أهل الكوفة، وقيل للحسين عندما سأل عن وجهة أهل العراق، إن قلوبهم معك، وسيوفهم عليك.

إن بشاعة قتل الحسين الذي هو وأخوه الحسن، سيدا شباب أهل الجنة، يندد بهما كل المسلمين العقلاء ويلعنون مرتكبيها، والمساعدين عليها، ويبرؤون إلى الله منها، وبذلك تبيّن أن قتل الإمام الحسين ليس من عمل أهل السُّنة، وإنما عمل بعض أتباعه من أهل المبتدعة والضالين الذين خذلوه، وأبادوا كل من معه، باستثناء زين العابدين الذي نجا بأعجوبة، وتلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، فلا نلوِّث بها ألسنتنا وأقلامنا.

كل هذا، من المسلَّم به عند العقلاء في أمتنا الإسلامية، ولكن ما يستوقفنا في هذه الذكرى هو تحويلها من طرف بعض الغلاة إلى محنة فاقت في جرمها قتل أئمة المسلمين من قبل الحسين، كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا، والأنكى من كل هذا الإشادة من بعض الغلاة بقتلهم.

إن الحقيقة الناصعة، هي أن أهل السُّنة في عمومهم، يحبون الحسين، ويحبون كل آل البيت، وكل الصحابة رضي الله عنهم، وهم يلعنون كل من سلّ سيفه في الإسلام ضد أي صحابي أو أي مسلم مظلوم.

كما يبرؤون إلى الله مما يفعله الغلاة من سلوك مشين، وعمل مهين حزين ما أنزل الله به من سلطان، في يوم استشهاد الحسين.

والمطلوب أن يكون يوم عاشوراء، على ما فيه من فظاعة قتل الحسين، مناسبة تأمُّل وصبر، ويوم موعظة وذكر: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، [سورة البقرة، الآيتين 156-157]، ويقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “ليس منَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية”.

لذلك، نعتقد أن هذه الأحداث التي تصادف يوم عاشوراء، واليوم بالذات، يجب أن تكون الحافز لعلماء الأمة الإسلامية، وقادتها، إلى أن ينبروا لوأد الفتن ما ظهر منها وما بطن.

كما أنَّهم مدعوُّون إلى التصدي لبعض المظاهر وأنواع السلوك، والتي لا تزيد الأمة الإسلامية إلا فرقة وشقاقا، فقد بان لكل ذي عقل أن الجامع المشترك الأعظم للسُّنة والشيعة معا هو المعتقد الإسلامي، كما أن حب آل البيت هو الذي ينبغي أن يكون الجامع للقيم التي توحِّد الأمة الإسلامية جمعاء.

وفي مواجهة التحدي الصهيوني الذي يستهدف كل فلسطين، وكل مقاوم للاحتلال الظالم، يجب أن تتحد صفوف كل المسلمين، ولا عبرة بالسُّنة أو التشيع، فالعدو الصهيوني لا يفرق في الإبادة والقتل بين سني وشيعي.

وللأمانة، فإن ما أبداه إخوتنا الشيعة في لبنان، وفي اليمن، من بسالة وشجاعة، وتعبئة في مواجهة العدو الصهيوني نصرة لغزة، لممّا يعلي من قيمة الانتماء للإسلام، والعِترة النبوية، فيا ليت بعض مظاهر التعصّب لهذا المذهب أو ذاك تختفي من واقعنا الإسلامي، فنغدو موحَّدين كما أرادنا الإسلام ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾،[سورة الأنبياء، الآية 92]، فبدل الدموع والدماء، استعدوا جميعا لمواجهة الغزاة الأعداء.

إن بشاعة قتل الحسين الذي هو وأخوه الحسن، سيدا شباب أهل الجنة، يندد بهما كل المسلمين العقلاء ويلعنون مرتكبيها، والمساعدين عليها، ويبرؤون إلى الله منها، وبذلك تبيّن أن قتل الإمام الحسين ليس من عمل أهل السُّنة، وإنما عمل بعض أتباعه من أهل المبتدعة والضالين الذين خذلوه، وأبادوا كل من معه، باستثناء زين العابدين الذي نجا بأعجوبة، وتلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، فلا نلوِّث بها ألسنتنا وأقلامنا.

ما ضاعت الأمة الإسلامية، وما استكانت، وما هانت على أعدائها، إلا يوم أيقن الأعداء بشتاتها، فبان ضعفها وهزالها، فطمع فيها الجميع.

ويا قادة أمتنا! ويا علماءها!

إن كل قطرة دم، تسيل في أي جزء من الأمة الإسلامية، سواء في فلسطين، أو في السودان، أو في ليبيا، أو في الصومال، إن هذه الدماء هي في ذمة قادة المسلمين وعلمائهم.

إنه لمن العار أن تتجرّأ دويلة السبعة، على دولة السبعين، وأن يقف الصهيوني، المعتدي المحتل، الأجنبي عن الأرض، ليبيد أهل الأرض، فإن كان هذا ونحن عصبة، إنَّا إذن لخاسرون.

الأمة الإسلامية، قويةٌ بإنسانها، وبمالها، وبعتادها، وبسلاحها، ولو أنها اتّحدت ووحّدت كل إمكاناتها، لفرضت وجودها في العالم أسره.

أما ما نشاهده، من مظاهر الخنوع والخضوع وذرف الدموع، في بعض أجزاء أمتنا العربية والإسلامية، فإنه والله لوخزٌ في أنفتنا، وخدش في رجولتنا، ومساس بقدراتنا وإمكاناتنا.

المطلوب اليوم، أن نتجاوز نعراتنا، وخلافاتنا، ومذهبياتنا، لنقف صفا واحدا أمام غطرسة العدو الصهيوني، الذي كشف الفلسطينيون عورته، وأسقطوا هيبته، وحطَّموا عنجهيته، وهو اليوم قاب قوسين أو أدنى من الاعتراف بالهزيمة، ورفع الراية البيضاء، فلنعمل على تجسيد ذلك، بأقلِّ الأضرار الممكنة، ونحن الحمد لله نملك أسلحة كثيرة، أهمها سلاح المقاومة، وسلاح الممانعة، وسلاح المقاطعة، وكلها أسلحة فعّالة، إذا صحبها الوعي، وعزّزها السعي.

فيا قادة أمتنا!

إننا نسائلكم، باسم الإسلام، وباسم العروبة، وباسم الإنسانية، أن تهبُّوا إلى نصرة المظلومين من أشقائكم، فلا تخذلوهم، ولا تخونوهم.

اللهم إننا بلّغنا.. اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة