منوعات
"الشروق" تتحصل حصريا على فيلم "هواجس الممثل المنفرد بنفسه" لحميد بن عمرة:

“دونكشوت جزائري” يعزّي شهداء الفن ويتوقف عند أحزاب “المسامير”

الشروق أونلاين
  • 2201
  • 0
ح.م
ملصقة الفيلم

بعد وثائقي “شيء من الحلم، شيء من الحياة” الذي لم يحتف به في المهرجانات المنظمة داخل الوطن، يكشف السينمائي الجزائري حميد بن عمرة لـ”الشروق اليومي” عن فيلمه الجديد المعنون بـ “هواجس الممثل المنفرد بنفسه”، حيث يعود فيه إلى قضايا عديدة أبرزها مأساة الفنان في الجزائر من خلال التهميش والاغتيالات في زمن العشرية السوداء، كما لم يخل عمله من التاريخ الثورة والحديث عن الوطن والسفر ووجع الغربة مع بقاء الأمل.

حميد بن عمرة قدّم لـالشروقنسخة حصرية منهواجس الممثل المنفرد بنفسهقبل صدوره إلى القاعات، ويعالج فيه القضايا التي تشغل بال الأسرة الفنية والثقافية والتاريخية والاجتماعية بنظرة فلسفية عميقة. وقد عبرّت عنها الشاعرة اللبنانية غادة نورالدين بقولها: “أخذني الفيلم منذ بدايته إلى فيلم يوسف شاهينحدوتة مصريةولعل البوستر الذي مرّ في فيلمك ليسرا ونور الشريف ينصبّ في هذا الاتجاه. هي سيرة ذاتية أم سيرة جيل ومرحلة؟“. مضيفة: “الذاكرة النابضة ومحاولة تأريخ مرحلة سعيتَ لجعلها متميّزة بموازاة البحث عن شيء ضائع، القضيّة، الوطن، الثورة، السفر، المنفى، البحر“.

يستعير بن عمرة عنوان الكتاب الأخير لـجون جاك روسو في عماه الذي حضر له رفقة الممثل محمد أدار والفنانة سيتفاني بن عمرة، والطفلة هناء وكوكبة أخرى من الممثلين والكتاب.


بن عمرة يعزّي علولة، جاووت ومجوبي

يرجع بالمشاهد إلى تساؤلات ما تزال أجوبتها مستعصية في ظلّ الظروف التي تحكم الواقع الفني في المسرح والسينما بالجزائر، ويعبر عنها بفتح نقاش حول المسرح باعتباره فعلا يحب السينما لتكامله معها، كما أنّ السينما تحب المسرح عبر شخصية ممثل منفرد له هواجس ونظرة حول واقع الفنين معا في بلاده وفي العالم العربي بصفة عامة.

ويبدأ هذا الفيلم الروائي التوثيقي على وقع موسيقىالقارقابووبعبارة: “لا أخاف من الموت، لكن من الوقت، وقبله يفتتح دقائقه الـ105، بالتذكير بالراحل رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلى الذي اغتيل في لندن وعميد المسرح الجزائري عبد القادر علولة الذي لاقى نفس المصير شهر يناير 1994 على يد الإرهاب الأعمى، وهي النهاية التي عرفها الراحلان الطاهر جاووت والمسرحي عزالدين مجوبي في العشرية السوداء. وبالتالي يستنطق حميد بن عمرة عبر هذه التقديمات الأشبه بالتعازي واقع حرية التعبير في تسعينيات القرن الماضي  .

يسافرهواجس الممثل المنفرد بنفسهبالمشاهد تحت جو موسيقي وقّعه مارسيل خليفة وميزته أغان من التراث الجزائري لخليفي أحمد والعنقى والشيخة الريميتي إلى عالم فلسفي مليء بالمعاني أشبه بـالحدوتةيختلف عن أفلام التنديد والوصاية والواقعية الرهيبة فتلك تجاوزها الزمن حسب ما عكسه العمل من أفكار ومصطلحات فلسفية جريئة بعمقها، فالجمهور العربي لم يعد يقبل على قاعات السينما لأنّ أغلبه ببساطة لم يعد يؤمن بالسينما، لذلك حمل هذا الفيلم في باطنه رواية تنساغ لها الأذن وتتفطن لها العين، فالفيلم يرحل بالمتلقي عبر زمنه النفساني المتراكم ليتعرف على جزء من شخصياته المتداخلة الأفكار.


أدار يسرد قصة الإسكافي وأحزابالمسامير

يحكي الفيلم الذي أنتجته شركةنون فيلموالمقدم باللغة العربية والمترجم إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية قصة الممثل محمد أدار الذي يركب القطار ولا يدري  بأي محطة يتوقف، إنّه عامل الوقت، إنّها الهواجس، إنّه الماضي بأسئلته الكثيرة التي بقيت لغزا محيرا، إنّها الحياة بكل ما تحمله من سعادة أحيانا وقسوة أحيانا أخرى، بحيث ترصد كاميرا المخرج حميد بن عمرة في زمن قدره 105 دقيقة حكاية محمد أدار عاشق المسرح والسينما بكافة تفاصيلها في الجزائر وفي ديار الغربة التي لم يهاجر إليها قط بل دخل مرارة يومياتها من خلال دوره ويعبر عنها بن عمرة قائلا: “الغربة هي عندما يهجرك الوطن وليس العكس“. ومن جزء عشق أدار للفن السابع وكيفية صناعة الفيلم السينمائي يقول الممثل ذاته: “تركيب فيلم تعني إعادة كتابة السيناريو مرّة أخرى“.

وتبدأ القصة من القطار حيث يجلس محمد أدار يفكر ويتأمل في الماضي، إذ كان بالموازاة يحضر لعمل مسرحي رفقة مجموعة من الوجوه الشابة المتفانية، حيث تبرز البروفات اليومية على الخشبة وعلى مستوى الديكور والإضاءة والسينوغرافيا وغيرها، فالمسرحية تحكي حلم إنسان بسيط كتب نصه وزير الثقافة الجزائري الحالي عزالدين ميهوبي الذي قال: “لم أقتبس النص بل موضوعه هو الممثل محمد أدار، وما أثار اهتمامي هو فكرة الحلم أكثر من حرفة شخصيته، لأنّ حلمي تمحور حول محمد أدار وإعجابي بحضوره المتميز والمسمار لا يشير إلى شخص معين بل يرمز إلى المواطن العادي“. فالمسرحية تصور   حلم إسكافي يريد تأسيس حزب سياسي يتقدم به إلى الانتخابات الرئاسية بالجزائر وسط منافسة أحزاب سياسية أخرى شبهها المخرج بأحزاب  المساميرويسعى جاهدا للحصول على لقمة العيش وفق تعبير المخرج. كما يوجه الفيلم رسائل متعددة في شاكلة شخصية المهرج أو البهلوان الذي يعتبره بن عمرة شخصية جدية تخلصت من عقد المجتمع المتحجر، إنه الطفل البريء المتفائل دوما، إنه أنا وأنت“. وعّما إذا كان أدار يختزل معاناة الفنانين والمسرحيين والسينمائيين في الجزائر؟ أجاب بن عمرة: “محمد أدار ليس الناطق الرسمي للممثلين والسينمائيين لأنه لا يسمح لنفسه بالحديث مكان غيره، ولا يختزل في جملة أو حتى في نص كامل“.


كاميرا دونكيشوت عن الغربة

ويصف المخرج ممثله بالرجلدون كيشوتالجزائري وقال بأنّ غربته كانت في بلاده ولم يغادر الوطن إطلاقا رغم كل الحجج المتوفرة لذلك، فهذه الغربة تتعلق بغربته وغربة فاروق بلّوفة برهان اللذين ينفردان بأسلوب سينمائي أصيل وإن تداخلهما حول علاقة السينما بالحرب ومدى تشابه صور الحروب من بلد لآخر يعطي للفيلم نفسا عميقا، إضافة إلى حلم الهجرة الذي يراود الشباب.

اعتمد العمل على صور وشهادات حيّة لمثقفين جزائريين وعرب منهم من عاش في بلاد المهجر على غرار المخرج فاروق بلوفة صاحب رائعةنهلة”  “1979” والسينمائي اللبناني برهان علوية صاحب رائعةبيروت اللقاءسنة 1981، أو الناقد الأدبي المصري غالى شكري الذي يعترف في طيات العمل بناء على عيش الغربة بأنّ باريس مكسب عرّفه على بلدان المغرب بصفة أدق وأعمق. إضافة إلى العودة إلى الممثل الجزائري الراحل رويشد ورشيد بن علال الذي شهد بأنّالسينما هي المرآة“.


أين وكالة الإشعاع الثقافي؟

 

تصوير الفيلم تم في أماكن مختلفة بدأت سنة 2008 وانتهى منها في فيفري هذه السنة ومرت العملية عبر دول الجزائر وتونس وفرنسا التي تم بها تركيب مشاهد العمل الذي أنجز بإمكانيات خاصة ومتواضعة لم تكن دولة الجزائر ولا فرنسا ولا أي جهة سينمائية طرفا فيه، حتّى أنّ الممثل محمد أدار قبل التمثيل من دون مقابل واضطر لدفع من جيبه ثمن تذكرة سفره من الجزائر إلى تونس ومن الجزائر إلى فرنسا لإتمام التصوير، فضلا عن جهد زوجة بن عمرة الممثلة ستيفاني ومساعدته في التركيب والترجمة وإلا لما كان التصوير أصلا. لكن المشاهد جاءت متسلسلة وقدمت باحترافية عالية دون حشو أو مبالغة وتماشت والقصة. وبالتالي هنا يطرح سؤال حيث الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي التي لم تمنح ولا سنتيما واحدا للفيلم.

مقالات ذات صلة