الرأي

دينُ الدولة في دستور علماني

حبيب راشدين
  • 3157
  • 0

القراءة المتأنية لنص الدستور، قبل وبعد التعديل، تفضي حتما إلى استنتاج غريب، يفيد أن الأطراف الشريكة في العقد الاجتماعي هي: “شعب حرّ” تحكمه دولة دينها الإسلام، برئيسٍ يشترط أن يكون دينه الإسلام، يتوقف التزامه بالدين عند النطق باليمين الجمهورية باحترام الدين الإسلامي وتمجيده، كما يتوقف التزام الدولة بالدين على رأي استشاري لمجلس إسلامي أعلى لا أحد ملزمٌ باستشارته.

الغرابة لا تتعلق فقط بمنح الإسلام مادة واحدة (المادة 2) صمّاء بتراء من ثلاث كلمات من بين 182 مادة، أي بنسبة 0,55 بالمائة، ولكن بالسكوت عن الهوية الأولى للشعب الجزائري في مستهل الديباجة: “الشعب الجزائري حرّ ومصمِّم على البقاء حرا”  إليه تعود كل السلطات و”تستمد الدولة مشروعيتها وسبب وجودها من إرادة الشعب” (المادة 11).

أي مسلم عاقل يعلم أن المكلف أمام الله هم العباد، وليست الدولة ـ ككيان معنوي ـ من المكلفين حتى تسأل غدا عن مقدار التزامها بنص المادة الثانية، وما دام صاحبُ السلطات هو الشعب، و”الشعب الجزائري شعبٌ حر” لم يُلزِمه الدستور بصفة المسلم، فقد ألزمه في المقابل “أن يحمي ويصون استقلال البلاد وسيادتها، وسلامة ترابها الوطني، ووحدة شعبها، وجميع رموز الدولة” (المادة 61) ليس الإسلام من بينها كما حُدِّدت الرموز في (المادة 5).

وحيث إن الشعب ليس له صفة المسلم حتى يلتزم أو تكون له الخيرة والحق في الدفاع عن الدين، فقد وجب البحثُ عن الطرف المخوّل، وهو الدولة التي منحت الصفة، ورئيس الجمهورية الذي اشترط الدستور أن يكون دينه الإسلام، لكنك عبثا تبحث عن مادة أو فقرة تلزم الدولة أو الرئيس بتفعيل المادة 2 أو الدفاع عن الإسلام سوى ما جاء في نص اليمين الجمهورية من قسم على “احترام الإسلام وتمجيده” فيما أُلزمت الدولة وجميعُ الشركاء في العقد الاجتماعي بنص المادة 36 بـ”احترام حرية المعتقد” كل معتقد، و”حرية ممارسة العبادة” أي عبادة، مثلما هم ملزمون في المادة 37 باحترام “حرية الاستثمار والتجارة” لا أقل ولا أكثر.

ولك أن تبحث بالطول والعرض في النص عن تبعات المادة الثانية فلن تجد لها أثراً، وبوسعك أن تلغيها من دون أن تتأثر بقية مواد الدستور، وهي لا تُلزم أيَّ طرفٍ من أطراف العقد لحظة التشريع، بل سوف يعترض عليها أي معترض بنص المادة 36 التي تُلزم المشرّع والمواطن ومؤسسات الدولة بـ”احترام حرية المعتقد” و”حرية العبادة” بالمطلق يتساوى فيها المسلمون مع أهل الكتاب بل مع بقية المِلل والنِّحل.

وللأمانة، هذا واقعٌ دستوري موروث عن دستور 89 الذي هلّل له الإسلامي والعلماني على السواء، وقد حمل بعضهم السلاح على الدولة بذريعة الاحتجاج على توقيف مسار انتخابي، لكنه لم تنظم مسيرة واحدة سلمية تطالب دولة تدين بدين الإسلام بتجريم الربا، أو تطالبها على الأقل بحماية الأحوال الشخصية من عبث التشريع الوضعي، وكان حريا بالتشكيلات الإسلامية أن تقتدي بسلفها من أحزاب الحركة الوطنية التي طالبت بفصل الدين عن الدولة حتى تحمي في الحد الأدنى الأسرة والأحوال الشخصية من التشريع الوضعي الاستعماري.

مقالات ذات صلة