ذلك “الزبل” من ذاك الأسد!
هذه الأيام الأخيرة، وما حملته لنا من فضائح وفظائع في سوريا وفي الحرم المكي وفي أولى القبلتين وثالث الحرمين، جعلتني أربط واقعي بواقع غريب: واقع بهيمي يتعامل مع واقع متوحش، حتى أني لما نمت على غير العادة، (لأني أحيانا أنام مثل البغل واقفا وعيناي مفتوحتان) وكان اليوم ثاني يوم عيد الأضحى، بعد صراع مع الكبش وسعره وذباحه وسلاخه، وجدت نفسي أعيش واقعا افتراضيا غريبا، كأنك تقرأ رواية “كافكا”.. كان العالم أمامي ومن ورائي غريبا إلى حد يدعو إلى الرثاء والبكاء.. الشعوب كلها من أقصاها إلى أدناها، تحكمها فصائل من حيوانات أليفة وأخرى متوحشة وأخرى بين التوّحش والاستئناس.
لا أستطيع أن أصف لكم الحلم لأن لغة الوصف والتصوير تخونني لكن، في العموم يمكن أن أصف لكم الوضع: بهائم تتحكم في بشر.. وحوش وأحيانا أسود وضباع وقردة وفهود ونمور وفيلة وزرافات وذئاب وكلاب برية تتحكم في البشر وتقودهم و”تحميهم” من أنفسهم وتتحكم في مصائرهم، في أحسن الأحوال، تجد كباشا وماعزا وبقرا وجمالا تحكم أناسا مثلي ومثلك.. تصور أنك أنت رجل مثقف ومتعلم لكن خاضع في نهاية المطاف لنظام تتحكم فيه قوى من الكباش والخرفان (وهذا أهون)، لكن ماذا لو وجدت نفسك إنسانا في كامل قواك العقلية والثقافية والملكة الذهنية والفهم والعقل، تخضع لحكم دببة وفهود وحكومة مختلطة من ائتلاف حيواني وقطيع وحشي غير منسجم باطنيا، لكنه يبدو كذلك مظهريا، نفس هذا الوضع وجدتني أعيشه.. حتى أني وجدت نفسي أباع لكبش في زريبة، الكبش يقول إنه اختارني لأضحية العيد، كباش تضحي بالبشر؟ قال لي الكبش الذي كان يساوم بائعي وهو قرد من نوع “البابوان”: هذا بنادم يفوت للعيد؟ أراه أصلعا وفرطاسا، أين قرونه؟ قال له القرد ضاحكا: هذا معنا يدير القرون؟ جامي! القرن اللي يخرج نطيروه له في المهد، قال له الكبش: ما يفوتش للعيد، آخذ عليك هذا بقرون!
تركتهما يتفاوضان على السعر، فيما فرحت بأني نجوت من الذبح بسبب عيب القرون المكسرة عندي، حتى أني تمنيت لو أني أستطيع أن أعمي كل البشر أو أن أقطع لهذا رجله وأبتر لهذا يده وأقلع لهذا أصبعه وأجذع لذلك أنفه وأشرم لهذا أذنه وأشق لهذا شفته حتى ينجو الجميع من قطع الرقبة، المشكل أن الكباش التي تضحي بالبشر، لم يكونوا يعرفون حتى الوضوء والصلاة.. مع ذلك يضحون ويذبحون ويأكلون اللحم الآدمي.. (لهذا فهمت الدواعش والطواغيت كيف يفكرون: فهذا “الزبل” من ذلك “الأسد”).
وأفيق وأنا أتحسس صلعتي وأشكرها على أنها نجّتني من ذبح عظيم.