ما لا يقال
رؤوساء ومشاريع؟!
تقاس قوة الدول بجيوشها وقوة الاقتصاد ومستوى التعليم والتكنولوجيا فيها وما تملكه من طاقة أو معادن، وتقاس قوة السلطة داخلها بمدى احترامها لحقوق الإنسان وحمايتها للمواطن والأملاك العمومية والخاصة واستقلالية القضاء، والتداول العلمي على تسيير الشأن العام.
-
فهل مثل هذه المظاهر لقوة الدولة والسلطة متوفرة في أقطارنا العربية؟ وما دور انهيار السلطة في انهيار الدولة؟
-
-
مشاريع الحزب الواحد والتعددية!
-
سئل أحد شيوخ الزوايا عن رأيه في الطريق السيار في الجزائر، فقال دون تردد: بالرغم من أنه لم يكتمل فإنني سأعوذ لله أن يغفر ما تقدم وما تأخر من ذنوب من أنجزه.
-
وسألت شابا عن رأيه في مشروع التروماي والميترو فتلعثم ثم أجاب: التروماي ضيّق علينا الشوارع، أما الميترو فقد قيل لنا إنه بإمكاننا ركوبه في شهر أكتوبر، وأضاف: يقال إن المشروع في عهد الرئيس السابق الشاذلي بن جديد مع مقام الشهيد عام 1984، سبعة وعشرون سنة مرت وخمسة رؤوساء حكموا الجزائر وهو المشروع الوحيد الذي بدأ في الحزب الواحد وعاش التعددية ولا نعرف النظام القادم الذي سيدشن فيه؟!
-
إذا كانت السلطة، في عهد الحزب الواحد، يتداول وزراؤها علـى تدشين المشاريع، والشاهد أن أسماء الكثير منهم ما يزال منحوتة على الرخام حتى في المقابر، أما الرؤساء فيتكفلون بالمشاريع الضخمة، وغالبا ما يدشنونها أكثر من مرة حتى لا تغيب صورهم عن الناس من التلفزيون.
-
وهذا ما جعل أحد ولاة الجنوب يحتال على أحدهم حتى يعطي لولايته شرعية ويثبت نفسه في الولاية.
-
تقول القصة إن مشروع نقل الماء من دائرة عين صالح الى ولاية تمنراست كان من المشاريع الهامة في الصحراء، وأن أحد الولاة تمكن من إقناع رئيس سابق بتدشينه، وقام بتنظيم حفل التدشين في المسجد حيث وضع أربع حنفيات وربطها بخزان مياه، وتقدم الرئيس فتذوق الماء من الحنفية ثم انتقل إلى الحنفية الثانية والثالثة وتركهما مفتوحتين، لكن المفاجأة هي أنه لم يجد ماء في الحنفية الرابعة، وحتى لا يهين سلطته مثلما فعل رؤوساء جاؤوا بعده، تقدم من الوالي وهمس في أذنه: “حتى الذين لا يتحملون الوضوء بالماء فكرتم فيهم فوضعت لهم حنفية
-
للتيمم”.
-
كثيرة هي الشواهد على المشاريع الوهمية أو الحقيقية المرفوضة من المواطنين كانت تدشن، فالرئيس الراحل هواري يومدين دشن قرية فلاحية ولكن الفلاحين غادروها في اليوم الموالي، وبقيت مجرد سكنات فارغة، ومثلما حدث في عهد الحزب الواحد من “هف” حدث في عهد التعددية دون أن تنبه له الصحافة الخاصة، فقد لاحظ أحد الولاة اهتمام أحد رؤوساء الجزائر بالزوايا ولم يجد في ولايته زاوية يمكن ترميمها أو إعادة بنائها، نبهه أحد مستشاريه إلى وجود “مرآب” لإصلاح السيارات والدهن، وإنه ملك لأحد أبناء شيخ زاوية فأحذه وحوّله إلى زاوية وقام الرئيس بتدشينها، والسؤال الذي لم أستطع الإجابة عنه هو كيف استطاع الوصول إلى “شيوخ الزاوية” لولا تواطئ مديرية الشؤون الدينية مع الوالي؟!
-
-
حتى عقيلات الرؤوساء يعتصمن؟!
-
إذا مشيت شرق أو غرب الجزائر تجد حركة عمران واسعة، وبالمقابل تجد الباعة بالشاحنات الصغيرة والكبيرة ناصبين خيمهم للبيع، حتى باعة الآثار صاروا في مداخل الطرق، وكأن البلاد تفتقد إلى الأسواق بالجملة أو التفصيل، وإذا لم تكن لك معرفة (بيسطو) في أية جهة كانت فإن حاجتك لن تقضيها وستعود بخفي حنين، كما يقول المثل العربي. وإذا لم تكن قادرا على حماية نفسك فإنك لن تجد جهة تحميك أو تسترجع لك حقك: فإذا طلبت خطا هاتفيا تحتاج إلى “رشوة” وإذا أردت إدخال الغاز أو الماء أو الكهرباء إلى بيت دون رشوة سيضيع ملفك، السلطة في بلادنا مبنية على منطق “المفارقة” فالبرلمانيون يريدون تجريم الاستعمار الفرنسي ولكنهم يفضلون أن تتزامن عطلتهم الصيفية مع ذكرى استقلال فرنسا (14 جويلية).
-
ولهذا حين أزعجت الشاحنات التي كانت تدخل ليلا إلى دار أحد الرؤساء السابقين زوجة رئيس سابق تسكن على بيت مئات الأمتار منه، لم تجد طريقة للاحتجاج سوى أن تجلس في الطريق وتمنع الشاحنات من المرور أمام بيتها، وحتى لا تصبح القضية حديث الصحافة، اضطر الرئيس أن يطلب رخصة خاصة بسير الشاحنات في النهار لتزداد متاعب المواطنين في الزحمة.
-
الحقيقة التي لا تقال هي أن البلاد مفتوحة على كل الاحتمالات، فالمصالحة والعفو ما يزال فاتحا أبوابه لحملة السلاح، وهيئة المشاورات ما تزال مفتوحة لكل من يريد إبداء الرأي، وحتى الاحتجاجات ما تزال مفتوحة. ولهذا فالرهان على إنجاز أي مشروع في موعده خاسر (وللحديث بقية).