رئاسيات فرنسا 2027.. هكذا تحوّلت الجزائر إلى شمّاعة في الصراع الانتخابي!
مع اقتراب موعد رئاسيات فرنسا المقررة عام 2027، تحوّلت الجزائر إلى شمّاعة في الصراع الانتخابي، حيث يتزايد حضورها في الخطاب السياسي والإعلامي بشكل لافت، ما دفع بعض الشخصيات البارزة إلى التحذير من الانزلاق نحو خطاب الكراهية، آخرهم المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا والوزيرة السابقة سيغولين روايال.
ووفقا لما أوردته تقارير إخبارية فرنسية فإن الجدل لم يعد مقتصرا على الخلافات الدبلوماسية أو الملفات التاريخية العالقة، بل امتد إلى تحميل الجزائر مسؤولية أزمات داخلية، وربطها بقضايا البطالة، الأمن والاحتجاجات الاجتماعية، وهو ما أثار انتقادات بشأن تحويل العداء للجزائر إلى وسيلة لصرف الأنظار عن المشكلات التي تواجه المجتمع الفرنسي.
وتبرز الجزائر بشكل متزايد في النقاشات المرتبطة بالاستحقاق الرئاسي المقبل، إذ أصبحت قضايا الهجرة واتفاقية 1968 والعلاقات الثنائية موضوعا متكررا في تصريحات سياسيين من اليمين واليمين المتطرف، إلى جانب أطراف أخرى في المشهد السياسي الفرنسي.
وتتصاعد داخل أوساط اليمين الفرنسي الدعوات إلى إعادة النظر في الاتفاقية، التي تمنح المواطنين الجزائريين نظاما خاصا للإقامة والعمل في فرنسا، في وقت يتقاطع فيه هذا السجال مع ملف الذاكرة الاستعمارية، الذي لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين.
بنجامين ستورا: الجزائر تحولت إلى شماعة للأزمات الفرنسية
وفي أحدث انتقاداته لهذا التوجه، انتقد المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا طريقة تناول بعض القنوات التلفزيونية الفرنسية للشأن الجزائري، معتبرا أنها جعلت من الجزائر شماعة تعلق عليها مختلف الأزمات التي تواجه فرنسا، من البطالة، انعدام الأمن، غلاء المعيشة إلى مشكلات التعليم.
وأوضح ستورا، في حوار مع جريدة “الشعب” على هامش مشاركته في معرض الجزائر الدولي للكتاب، أن بعض الخطابات الإعلامية تعيد إنتاج الموروث الاستعماري، القائم على التراتبية وعدم الاعتراف للجزائريين بالحقوق نفسها التي يتمتع بها غيرهم من المواطنين.
وانتقد المؤرخ أيضا محاولات ربط الجزائر بالاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر 2026، إلى جانب الترويج لصور نمطية سلبية عن الإسلام، محذرا من عودة “المسكوت عنه في الوعي الاستعماري”.
وبشأن ملف الذاكرة، شدد ستورا على أن الاعتذار الرسمي عن الجرائم الاستعمارية لا يكفي وحده لتسوية الخلافات التاريخية، داعيا إلى فتح الأرشيف المتعلق بالتجارب النووية والعمليات الكيميائية الفرنسية، والكشف عن مصير المفقودين، والعمل على إعادة الممتلكات التاريخية الجزائرية، وفي مقدمتها مدفع “بابا مرزوق” والممتلكات المرتبطة بالأمير عبد القادر.
سيغولين روايال تحذّر من مجاراة اليمين المتطرف
من جانبها، نشرت الوزيرة الفرنسية السابقة والمرشحة السابقة للرئاسة، سيغولين روايال، مقطع فيديو عبر حسابها على منصة “إكس”، انتقدت فيه تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب، بشأن أعمال النهب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، بعدما ربط وجود عدد كبير من المشاركين فيها بشباب فرنسيين من أصول مهاجرة.
ووصفت روايال هذا الخطاب بأنه “انحراف مؤسف” يهدف، بحسب تقديرها، إلى صرف الأنظار عن مسؤولية السلطات الفرنسية عن أعمال العنف التي شهدتها احتجاجات “السترات الصفراء”، مشيرة إلى سقوط أكثر من 15 قتيلا خلال تسعة أشهر من الاحتجاجات، وانتقدت ما وصفته بخطاب أحد مسؤولي الشرطة الذي خاطب المتظاهرين قائلا: “نحن لا ننتمي إلى العالم نفسه”.
كما اتهمت أنصار الرئيس إيمانويل ماكرون بتأجيج العنف والاحتقان، منتقدة ما اعتبرته تجاهلا لدور مجموعات من اليمين المتطرف في أعمال التخريب، ومنددة بتصاعد الخطاب العنصري في سباق سياسي تسعى فيه بعض الأطراف، بحسب تعبيرها، إلى مجاراة اليمين المتطرف. واختتمت موقفها بالتساؤل عن دور الهيئة الفرنسية لتنظيم الاتصال السمعي البصري والرقمي “أركوم” إزاء هذا الخطاب.
Pathétique cette dérive pour tenter de faire oublier @EPhilippe_LH l’éborgneur des gilets jaunes, pendant neuf mois, au cours desquels il y a eu plus d’une quinzaine de morts sur les rond – points ; avec un préfet de police qui tenait des discours de guerre civile en disant aux… https://t.co/JuiJbRiC4Z
— Ségolène Royal (@RoyalSegolene) November 2, 2026
من جانبه، انتقد السيناتور الفرنسي أكلي ملوّلي، تصريحات إدوار فيليب بشأن اتفاقية 1968، معتبرا أن الجزائر دولة ذات سيادة وليست مستعمرة، وذلك في رد على دعوات المرشح الرئاسي لإلغاء الاتفاقية. كما سبق أن انتقدت النائبة الفرنسية صبرينة سبايحي مواقف فيليب، في سياق الجدل الذي أثارته تصريحاته بشأن العلاقات الجزائرية الفرنسية.
“فوبيا الجزائر”.. استراتيجية انتخابية
وفي سبتمبر الماضي، اعتبرت روايال أن “فوبيا الجزائر” تحولت إلى استراتيجية انتخابية لدى بعض الفاعلين السياسيين في فرنسا، مؤكدة أن بعض السياسيين يواصلون إحياء رواسب الحقبة الاستعمارية واستغلال العداء للجزائر في سياق انتخابي، رغم أن الفرنسيين يواجهون مشكلات أكثر إلحاحا، تتعلق بارتفاع الأسعار، الديون، تراجع مستوى التعليم وهشاشة المنظومة الصحية.
وانتقدت روايال ما اعتبرته محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية من خلال إثارة قضايا الهوية والهجرة والعلاقات مع الجزائر، مؤكدة أنها لن تقبل بتوظيف العداء للجزائر خلال الحملة الانتخابية، ومشددة على ضرورة إعادة بناء الشراكة بين البلدين.
كما حذرت من أن استمرار هذا الخطاب لا يضر بالعلاقات الثنائية فحسب، بل ينعكس أيضا على المصالح الاقتصادية والتجارية الفرنسية، في ظل توجه مؤسسات ورجال أعمال جزائريين نحو شركاء وأسواق أخرى نتيجة تراجع العلاقات بين البلدين.
من المطالب الاجتماعية إلى سجالات الهجرة والهوية
وشكّلت الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر الماضي محطة جديدة في الجدل بشأن دور وسائل الإعلام في تأجيج الانقسامات الاجتماعية، بعدما تداخلت التغطية الإعلامية للمظاهرات مع نقاشات حادة حول الهجرة والأمن والأصول الدينية، في وقت كانت فيه المطالب الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الأساسي للتحركات.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية يوم 23 أكتوبر، شهدت التغطيات التلفزيونية والإذاعية ارتفاعا بنحو 4.7 مرات في المقاطع التي تربط بين الهجرة وانعدام الأمن، مقارنة بالفترة السابقة للاحتجاجات، استنادا إلى تحليل لمنصة مراقبة التضليل الإعلامي “Droit à l’info” شمل 20 قناة تلفزيونية وبرنامجا إذاعيا رئيسيا.
وأشار التحقيق إلى أن قناة “CNews” بثت بمفردها، في المتوسط، 23 رواية مشكوك فيها يوميا بشأن الهجرة، كما رصد لجوء شخصيات من اليمين المتطرف إلى وصف الأحداث بأنها “أعمال شغب عرقية”، وربطها بأصول المشاركين فيها، دون تقديم معطيات كافية تدعم هذه التفسيرات.
وفي المقابل، سلطت النقابة الوطنية للصحفيين التابعة للاتحاد العام للشغل (SNJ-CGT)، في بيان نشرته يوم 19 أكتوبر، الضوء على اتساع المشاركة في المظاهرات، مؤكدة أن أكثر من 800 ألف شخص شاركوا في التحركات عبر فرنسا للمطالبة بالعدالة الاجتماعية، وانتقدت تركيز عدد من وسائل الإعلام على مشاهد العنف والتخريب، رغم أنها لم تكن تمثل سوى جزء من الأحداث.
تزايد التحذيرات من تصاعد خطاب اليمين المتطرف
ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى الخطاب الإعلامي الفرنسي على المؤرخ بنجامين ستورا والوزيرة السابقة سيغولين روايال، بل امتدت إلى شخصيات سياسية ونقابية فرنسية حذّرت من تداعيات تصاعد خطاب اليمين المتطرف، ومن توظيف قضايا الهجرة والأصول الدينية في النقاشات المتعلقة بالأمن والاحتجاجات الاجتماعية.
ومن الأصوات السياسية الفرنسية التي حذّرت من هذا المنحى، النائب في البرلمان الفرنسي توماس بورتس، الذي انتقد، في تصريح لقناة “الجزائر الدولية”، ما وصفه بانزلاق النقاش العام في فرنسا نحو اليمين المتطرف، معتبرا أن مجموعات إعلامية كبرى، من بينها مجموعتا “بولوريه” و”ستيران”، تسهم في تغذية هذا التوجه.
وحذّر بورتس من تجذّر العنصرية داخل جزء من الطبقة السياسية الفرنسية، مشيرا إلى أن بعض السياسيين باتوا يزايدون في الخطاب العنصري، حتى على اليمين المتطرف، أملا في استقطاب مزيد من الأصوات الانتخابية، بالتوازي مع تصاعد التصريحات المعادية للإسلام في الفضاء العام الفرنسي.
وانتقد زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلونشون، وعدد من نواب حزبه، التغطية الإعلامية التي رافقت أحداث 17 أكتوبر، معتبرين أن بعض المنابر التلفزيونية تساهم في تطبيع الخطابات التمييزية، من خلال استضافة شخصيات تروّج لخطاب معاد للمهاجرين وتربط قضايا الأمن بأصول السكان وانتماءاتهم.
كما أصدرت نقابتا الصحفيين SNJ وSNJ-CGT داخل مجموعة RMC-BFM، يوم 25 أكتوبر، بيانا بعنوان “العنصرية تقتل.. أوقفوا تطبيع أيديولوجيا اليمين المتطرف على شاشتنا”، انتقدتا فيه ما اعتبرتاه تطبيعا للخطابات العنصرية على الهواء.
وفي السياق ذاته، أثار رئيس بلدية تراب علي رابح مسألة مسؤولية وسائل الإعلام في تصاعد العنصرية داخل المجتمع الفرنسي، محذرا من التداعيات التي قد تترتب على انتشار الخطابات التي تستهدف فئات من السكان بسبب أصولهم أو معتقداتهم.