رائحة “الشربة” و”الزلابية”.. تقطع البحور لترجعهم الى الوطن
بمرارة الغربة،يستقبل مغتربونا شهر رمضان، مع حنينهم لرائحة “الزلابية” والشاي من جهة، وشوقهم للقاء الأهل والأحبة من جهة أخرى، ومع صراعهم بين هذا وذاك يحاولون جاهدين استحضار طقوس وعادات وتقاليد وطنهم الأم، ليطفئوا حرقة بعدهم سواء كان ذلك اختيارا منهم أو مفروضا عليهم.
ضريبة الغربة
بعيدا عن وطنهم الأم، يجد المغتربون أنفسهم في غربة عن أهلهم وأصدقائهم،يدفعون ثمنها غاليا،لاسيما في الشهر الفضيل، يحنون إلى روائح “الزلابية” والقلب اللوز والشاي، ومختلف التوابل من “بقدونس ونعناع وقصبر و…”، وهذا ما يؤكده “نصر الدين”30 سنة، والذي التقيناهأمام محطة التراموايبالرويسو،حيث يقول إن خاله المقيم في إنجلترا منذ أكثر من عشرينعاما،دائمايشتكي من أجواء شهر رمضان في المهجر والذي يقضونه كسائر الأشهرالأخرى، لذلك يعمد إلى استحضار روحانياته بممارسة بعض العادات،التي لعل وعسى تشفي غليله، وتطفئ نار شوقه لتجمعات الألفة والتواصل التي هي إحدى سمات هذا الشهر الكريم.
وعلى إثر هذا،يعمل الكثير من الجزائريين المقيمين في الغرب على أخذ إجازاتهم تزامنا مع شهر رمضان ليعيشوا حرارة اللقاء ويقضواأيامه في أحضانالأقارب والأحباب تفاديا لبعض السلوكات التي ترسخ التمييز العنصري والفجوة الموجودة بين الديانات،وفي هذا يقول “فريد” 26 سنة المقيم بمدينة باريس في فرنسا إن رمضان صعب وعسير في ديار ليست ديارك،خصوصا إن كان أهلها ليسوا من ملتك،ما قد يولد جوا مكهربا يميزه التعصب لأفكارهم العنصرية، ويتابع قائلا إنه أحيانا ينسى ويشرب شربة ماء غفلة منه،خاصة عندما يرى المقاهي والمطاعم مفتوحة ورائحة الخمر تعكر صفو صيامه، ناهيك عن مظاهر التبرج والعري التي قد تذهب الصيام،والأصعب حين يرفعأذانالمغرب وينادي المنادي للصلاة، وبعدها يجلس مع عائلته إلى المائدة وتتداخل وتتضارب مشاعر الشوق والحنين والوحدة.
محاكاة طقوس شهر رمضان في الجزائر
ومحاولة منهم لتقصي روحانيات ومعاني الشهر الفضيل واستذكار عاداتهم وتقاليدهم المستوحاة من تعاليم ديننا الحنيف،يقول “سليم ” 38 سنة المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية،إنه يتعمد دائما تخصيص وقت من كل يوم من أيام رمضان قبل الأذان، لتلاوة وتجويد بعض آيات القران الكريم، وليتم ختمه في أواخر الشهر العظيم.
وإضافةإلى هذا،تكون الاستعدادات لاستقبال شهر رمضان هي نفسها التي تسبق هذا الشهر في الجزائر،من شراء مؤونة وتغيير أواني الطهي كل عام، وفي هذا تقول “فتيحة”46 سنة، غالبا ما تكون معظم مشترياتنا في باقي أشهر السنة من مأكولات معلبة ومحضرة مسبقا، لكن في هذا الشهر نحرص اقتناء مختلف اللحوم الحلال وتحضير أطباقنابأيدينا، حيث تكون جزائرية محضة من عاداتنا وتقاليدنا،ومن كل ما نشتهيه ونتوق إليه.
وفي نفس الإطار،ولأن رمضان هو تجسيد للروابط العائلية ولمد جسور التواصل بين القريب والبعيد،تقوم معظم العائلات في ديار الغربة بتبادل الزيارات فيما بينها للم الشمل، ولا يكون ذلك إلافي مائدة كبيرة تشد لها العيون وتجذب نحوها القلوب، في جو بهيج ينسيهم مرارة غربتهم ووحدتهم، وفي هذا يقول “سعيد” 53 سنة “أنا مغترب منذ 30 سنة، ولي بنتان وولد متزوجون كلهم في فرنسا،أردنا إحياءعادة كريمة في كل عام، بالحرص على دعوة بعضنا البعضلمائدة رمضان لمدة شهر كامل مع ذهابنا لأداء صلاة التراويح والعودة في آخر السهرة مع جلسة لتبادل أطراف الحديث واحتساء الشاي و”التسحر” في الأخير .
هي إذا حال الجزائريين في المهجر، يعانون الويلات في رمضان للتكيف مع أجواء الشهر الفضيل،خاصة مع بعض التصرفات المنافية لمعنى التحضر والتي قد تؤثر بشكل كبير على صيامهم في هذا الشهر الكريم.