ربع متر من القماش زلزل أركان الدولة الفرنسية!
تتعرف عليهن من عيونهن ذات اللون الأسود الساحر، حيث تحتجب بقية ملامح الوجه خلف نقاب زاد من فتنة عيونهن سحرا آخر، وتتعجب أن صاحبة هذا النقاب تتجول دون مضايقة فقط لأنها خليجية، وتزداد حيرة من أمرك عندما تشتكي لك جزائرية هم نقابها الذي تحول إلى كابوس … هي قصة ربع متر قماش هز أركان الدولة الفرنسية ودفعها للتراجع عن أهم مبادئها وهي الحرية في الدين واللباس والتعبير.
برقع الخليجيات في “الشنزليزيه” .. ولو بألف أورو
جذبني برقع سيدة خليجية في شوار “الشنزليزيه” ألقيت عليها السلام فردت علي التحية “فاجأتها كيف تضعين البرقع في بلد يُمنع ارتداؤه” فأجابني زوجها مقاطعا وقائلا : ” … هنا في الشنزليزيه لا أحد يقترب منا لكن بمجرد وصولنا عبر مطار شارل ديغول قامت زوجتي بكشف وجهها، هذه قوانينهم لكن هنا لا أحد يتكلم معنا خاصة ليلا … “. وقالت لي إنها ليست المرة الأولى التي تتجول فيها ليلا بالبرقع في شوارع الشنزليزيه.
تظهر لك مشاهد مختلفة من صور الشابات بمكياج قوي للغاية وعبايات سوداء منهن المنقبات ومنهن من ترفض نزع البرقع الخليجي. لا أحد يوقفهن بل أن بعض المحلات في الشارع تُخصص الكثير من ماركاتها بالحرف العربي، ويتخصص بائعون يتقنون اللغة العربية لأجل جذب زبائن “البترو دولار”.
تصطف على حافة الشارع سيارات فاخرة يندهش لها الفرنسيون وسرعان ما تتحول سيارة المواطن الإماراتي أو القطري إلى مكان لأخذ صور تذكارية.
وأعترف أنه استوقفتني سيارة “فراري” صفراء اللون رائعة التصميم وددت أخذ صورة تذكارية إلى جانبها، كان صاحبها يركنها إلى جانب أحد محلات بيع “الحقائق” وإذ برجل يرتدي بدلة يقترب مني وهو يبتسم، اعتذرت له باللغة الفرنسية فرد قائلا بالعربية: ” أنا عربي وحجابك دليلي أننا من نفس الوطن ..“.
تجاذابنا الحديث فعرفت أنه رجل أعمال قطري جاء رفقة عائلته، فأراد أن يعرفني على زوجته، وكانت داخل محل بيع الحقائب، وكانت هي الأخرى بالنقاب تبادلنا الحديث حول البرقع فأخبرتني أنها ترتديه ليلا كلما جاؤوا لتناول وجبة العشاء وتتجول به بكل تلقائية..
مخالفات ارتداء النقاب …
فرض النقاب نفسه من خلال الغرامات المفروضة على ارتدائه مُشكلا آخر داخل الجالية العربية المسلمة بفرنسا.
كما لم تتمكن الشروق بمختلف اتصالاتها من الجمعيات الجزائرية في أوربا من رقم تعداد الجزائريات التي فرض عليهن غرامة مالية بسبب ارتداء النقاب، غير أن العدد الإجمالي للمخالفات سجل لنحو 300 امرأة خلال شهر واحد، تمثل مختلف الجنسيات العربية وفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية المستقاة من أرشيف إحدى الجرائد الفرنسية بباريس.
يقول منير وهو عضو في تجمع الجزائريين بأوربا لشروق اليومي قائلا: “أصبحنا نسمع بين الحين والآخر ترحيل عدد من النساء اللواتي تم ترحيلهن من المطار إلى بلدانهم بسبب النقاب”.
ويمنع القانون الفرنسي إخفاء الوجه في الأماكن العامة ويفرض غرامة يمكن أن تصل إلى 150 يورو للمخالفات. كما يدعو القانون الفرنسي إلى منع الأمهات اللواتي يرافقن أبناءهن إلى المدرسة من ارتداء النقاب تطبيقا للقانون “الجمهوري” مع إشارته إلى أن هذه المسألة معقدة جدا.
رجال أعمال مغاربة وخليجيون لتسديد الغرامة
تحولت أسماء بعض رجال الأعمال العرب إلى أبطال في عيون نساء كثيرات، على غرار قصة رجل الأعمال الفرنسي، رشيد نكاز الذي لم يخلف بوعده، لعدد من النساء المسلمات ممن رفضن التخلي عن نقابهن بعد صدور القانون الفرنسي، حيث قام بدفع جميع الغرامات المتوجبة على النساء لارتدائهن النقاب بفرنسا، وأصبح المدعو رشيد واحدا من بين رجال الأعمال ممن يستنجدن به عدد من أبناء الجالية المسلمة لتسديد الغرامة المالية.
كما هب عدد من رجال الأعمال الفرنسيين من أصول عربية ومسلمة إلى نجدة النساء المنقّبات، كما خطت بعض الجمعيات النسائية الفرنسية التي ترأسها نساء من أصول عربية مهمة الدفاع عن ارتداء النقاب في فرنسا.
تقول “مونيا” وهي جزائرية تنحدر من ولاية قسنطينة الجزائرية عضو في جمعية نسائية تضم أيضا عددا من المسيحيين تعنى بشؤون المرأة في فرنسا، أن الجمعية ستقف إلى جانب كل امرأة منقبة ومستعدة للتضامن وجمع التبرعات المالية للمنقبات ممن فرضت عليهن غرامات مالية.
الجزائريات والحجاب في فرنسا
سمحت لي الفرصة في فرنسا التعرف على عدد من الجزائريات منهن من تركت الخمار ومنهن من لا تزال تتمسك به، ليندة واحدة من بنات العاصمة، جاءت إلى فرنسا في إطار عمل مع شركة أجنبية قبل أن تستقر للعمل في باريس وهي تعمل في شركة لبيع العطور، تعرفت عليها في مطار “اورلي” كانت بصدد إرسال مجموعة من أجهزة “آيفون” للتجارة بها بالجزائر، تصرح قائلة: “ارتديت الخمار لمدة 06 أشهر بعد استقراري في باريس لكن مع الوقت سيما في فترة حكم ساركوزي، وتزايد العنصرية ضد المسلمين، وجدت نفسي مرغمة على نزع الخمار، حتى أبعد عني الأنظار… وحتى أستطيع العيش بسلام”.
يقول من جهة أخرى خليل وهو طبيب جزائري: “..من الصعب على المسلم وخاصة المرأة المسلمة أن تحافظ على زيها الإسلامي في أرض مثل فرنسا، فعادة ما كنت أتجاذب أطراف الحديث مع فرنسيات لا يرغبن في أن ترتدي المسلمات لباسهن الشرعي في فرنسا”. ويروي خليل قصة حدثت لإحدى الطبيبات الجزائريات بفرنسا قائلا “مرة تهجمت مريضة فرنسية على جزائرية ترتدي الخمار قالت لها إذا أردت أن تضعي خمارك هذا فعودي إلى بلدك وارتديه هناك”.
لكن ما يلاحظ في عاصمة الجن والملائكة .. أن نقاب الخليجيات الذي يدر الأورو على شوارع “الشونزيليزيه” يبقى حلالا وتغض الأطراف الفرنسية البصر عنه، لكن نقاب الجزائريات يبقى منبوذا في عاصمة لم تعد تسع الجزائريين.