العالم
هكذا‮ ‬غطت القناة القطرية الثورات الشعبية ثم فكرت في‮ "‬صناعتها‮"..‬

ربيع المقاومة في‮ “‬غزة‮” ‬لإنقاذ‮ “‬الجزيرة‮”‬‭!‬

الشروق أونلاين
  • 13252
  • 179

هنالك تطرّف ومغالاة في‮ ‬التعامل مع قناة الجزيرة،‮ ‬سواء بالسلب أو بالإيجاب،‮ ‬فبين قائلٍ‮ ‬أنها‮ “‬صهيونية،‮ ‬تخدم أجندة أمريكية‮ ‬غربية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬تستحق اللعنة‮.. ‬اليوم وغدا‮.. ‬كما أن الموظفين فيها عبارة عن حفنة من العملاء والخونة‮”.. ‬يتداعى طرف آخر بالمدح فيقول‮.. “‬بل هي‮ ‬منارة الديمقراطية في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬وهي‮ ‬تستحق مليون شكر وتحية،‮ ‬على ما قامت به في‮ ‬السابق،‮ ‬وعلى ما تقوم به في‮ ‬الظرف الحالي‮ ‬من تأييد لسكان‮ ‬غزة‭!!‬‮”‬‭.‬

الواقع أنه لا‮ ‬يمكن فهم قناة الجزيرة بعيدا عن سياقها القطري،‭ ‬سياق‮ ‬يقال اليوم إن عزمي‮ ‬بشارة،‮ ‬يصيغه‭ ‬ويحدد أولوياته بشكل كامل،‮ ‬بعد تحييد وزير الخارجية السابق حمد بن جاسم ونفيه مع استثماراته للندن والولايات المتحدة‮.. ‬لا‮ ‬يمكن فهم الجزيرة بعيدا عن مواقف قطر،‮ ‬مثلما لا‮ ‬يمكن إخراج قناة العربية من عباءة السعودية‮..‬‭!‬

الجزيرة منذ تأسيسها عام‮ ‬1996،‮ ‬كانت إيذانا بميلاد سياسة جديدة داخل الإمارة الصغيرة الباحثة عن مكان تحت الشمس،‮ ‬بعيدا عن زمن الوصاية الذي‮ ‬تمارسه الرياض على بقية العواصم الخليجية،‮.. ‬وهذا حق طبيعي‮ ‬لأي‮ ‬دولة تريد لعب دور مؤثر في‮ ‬المنطقة،‮ ‬لكن الجزيرة التي‮ ‬تحولت من‮ “‬ناقل أمين‮” ‬للسياسة القطرية،‮ ‬باتت أحد صناعها،‮ ‬بل أضحت أكبر من الدولة،‮ ‬وربما لم‮ ‬يتوقع القطريون أنفسهم حجم التأثير والهالة التي‮ ‬صنعتها القناة التلفزيونية في‮ ‬ظرف قصير،‮ ‬بسبب‮ “‬الجوع الشديد‮” ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يشعر به العرب نحو الديمقراطية والحريات،‮ ‬والاستماع لآراء تعد جديدة تماما عما كان‮ ‬يكرره الإعلام الرسمي‮ ‬من أكاذيب،‮ ‬وخرافات وأوهام‮.. ‬المشكلة،‮ ‬أنه ومع مرور الوقت،‮ ‬وظهور الربيع العربي‮ ‬باعتباره أحد النتائج الطبيعية جدا لأنظمة استبدادية فاسدة،‮ ‬اعتقدت الجزيرة أنها صنعت الربيع،‮ ‬ومن حقها‮ “‬امتلاكه‮”‬،‮ ‬وباتت تكرر نفس أخطاء الإعلام الرسمي،‮ ‬فبات للجزيرة،‮ ‬أكاذيبها وأوهامها وخرافاتها‭!‬

قطر المتطلعة للريادة‮.. ‬شعرت أن الثورات المضادة التي‮ ‬ترعاها الرياض،‮ ‬بدأت تعمل بأجندة تخرب عليها كل ما حققته في‮ ‬السنوات الثلاث الماضية،‮ ‬فكان لابد من اعتماد سياسة‮ “‬الهجوم باعتباره الوسيلة المثلى للدفاع‮”‬،‮ ‬فشاهدنا صولات وجولات بين السعودية وقطر مباشرة،‮ ‬أو بين الدوحة من جهة،‮ ‬والإمارات مع البحرين من جهة ثانية‮.‬

مسيرة‮.. ‬أخطاء كارثية و”إنجازات‮”‬‭!‬

من أبرز الأخطاء التي‮ ‬وقعت فيها الجزيرة،‮ ‬فسحها المجال لكوادر إخوانية حتى تضع سياسة القناة وكيفية تعاطيها مع الأخبار،‮ ‬ناهيك عن إطلاق‮ ‬يد عدد من الإعلاميين البارزين الذين استعملوا الجزيرة وسطوتها في‮ “‬حروبهم الشخصية‮” ‬داخل بلدانهم،‮ ‬على‮ ‬غرار المصري‮ ‬أحمد منصور،‮ ‬والسوري‮ ‬فيصل القاسم‮.‬

لكن ذلك لا‮ ‬ينكر بتاتا أنّ‮ ‬للجزيرة مريدين وأنصارا،‮ ‬مثلما لها أعداء وخصوم،‮ ‬فهي‮ ‬بحسب مؤيديها،‮ ‬وقفت إلى جانب الشرعية في‮ ‬مصر،‮ ‬ولم تبدّل أو تتبدل رغم الحروب التي‮ ‬تعرضت لها وأوصلت عددا من إعلامييها للسجون،‮ ‬على‮ ‬غرار ما تعرض له الإعلامي‮ ‬عبد الله الشامي‮ ‬من تعذيب واعتقال‮ ‬غير مبررين،‮ ‬ناهيك عن إعلاميين آخرين من الجزيرة الإنجليزية،‮ ‬وهي‮ ‬كلها صور سلبية تعكس‮ “‬تداعيات الانقلاب العسكري‮”‬،‮ ‬ومحاولة البعض تصوير الأمر على أن هنالك‮ “‬تناميا شعبيا‮”‬ّ‮ ‬وارادة جماهيرية تريد التخلص من الإخوان‮.‬

لولا قناة الجزيرة،‮ ‬لما تمكن العالم أيضا من الوقوف على ما‮ ‬يقترفه نظام بشار الأسد من جرائم بشعة ضد شعبه،‮ ‬ومن المفارقة الشديدة،‮ ‬أن هذه الجرائم،‮ ‬تعد نقطة التلاقي‮ ‬الوحيدة بين الإعلام القطري‮ ‬ممثلا في‮ ‬الجزيرة،‮ ‬والإعلام السعودي‮ ‬ممثلا في‮ ‬قناة العربية‮.. ‬بل إننا نشهد انسجاما وتناغما بين الجزيرة وقناة الميادين الموالية للنظام السوري‮.‬‭!!..‬‮ ‬علما أن ارتدادات ما وقع في‮ ‬سوريا،‮ ‬واختطاف الثورة الشعبية من طرف فصائل مسلحة،‮ ‬تعد أكثر تطرفا من النظام ذاته،‮ ‬جعل القناة القطرية في‮ ‬مأزق حرج،‮ ‬فهي‮ ‬إما مع الأسد أو ضده،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬مع الطرف الثاني‮ “‬الأقوى‮” ‬على الميدان‮.. ‬ممثلا هذه المرة في‮ “‬داعش‮”‬،‮ ‬فشاهدنا تحالفا‮ ‬غريبا بين الطرفين‮.. ‬انبثقت صورته الأولى في‮ ‬العراق،‮ ‬حين كانت كاميرا الجزيرة أول من‮ ‬يدخل مدينة الموصل،‮ ‬بعدما سيطرت عليها ميليشيات الدولة الإسلامية في‮ ‬العراق والشام‮.‬

‭…‬إلا فلسطين‭!‬

قضية واحدة لم تفقد الجزيرة مصداقيتها بخصوصها،‮ ‬وربما ستكون سببا في‮ ‬تصحيح الكثير من الأخطاء المهنية التي‮ ‬وقعت فيها‮.. ‬وهي‮ ‬القضية الفلسطينية،‮ ‬حيث‮ ‬يلاحظ الجميع أن الجزيرة‮ ‬غيرت طواقمها الصحفية في‮ ‬كل البلدان،‮ ‬حتى داخل تلك الدول التي‮ ‬رعت ثوراتها الشعبية الأولى،‮ ‬مثل تونس وليبيا ومصر،‮ ‬لكنها لم تغيّر طاقمها الصحفي‮ ‬في‮ ‬فلسطين المحتلة‮ (‬أبرزهم وليد العمري،‮ ‬وائل الدحدوح،‮ ‬تامر المسحال،‮ ‬شيرين أبو عاقلة،‮ ‬جيفارا البديري‮…) ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يزال كما هو،‮ ‬منذ تأسيس الجزيرة وحتى اليوم‮.. ‬ربما لأن هذا الفريق‮ ‬يدرك تماما أن الدوحة لم تغيّر موقفها من القضية المركزية للعرب والمسلمين،‮ ‬ولذلك لم تمارس تغييرا كبيرا في‮ ‬الخطاب الإعلامي‮.‬

ولعل هذا هو السبب المباشر الذي‮ ‬أغضب وزير الخارجية الإسرائيلي‮ ‬منها،‮ ‬وهدد بطرد مراسليها من‮ “‬تل أبيب‮”‬،‮ ‬ناهيك عن قصف مكتبها‮.. ‬لغة لم نسمعها منذ فترة طويلة عن الجزيرة منذ سنوات،‮ ‬ما عدا في‮ ‬صراعها مع نظامي‮ ‬سوريا ومصر،‮ ‬لكن ذلك لا‮ ‬يعد كافيا،‮ ‬بنظر البعض في‮ ‬حين‮ ‬يقول آخرون إن بوسع الجزيرة ترميم سمعتها من خلال تغطيتها الإيجابية للعدوان على‮ ‬غزة،‮ ‬حتى وإن رفض محللون ومتابعون،‮ ‬كيفية تعاطيها مع الاحتلال الصهيوني،‮ ‬وفتحه على البيوت العربية بشكل لم‮ ‬يعد سهلا‮ “‬بلعه‮”‬،‮ ‬حتى وإن برره المسؤولون على الجزيرة بمبدئها‮ “‬الرأي‮ ‬والرأي‮ ‬الآخر‮”.‬

مقالات ذات صلة