رجاء كفوا عن زيارتنا.. كفوا عن إحباطنا
“ممنوع الزيارة”، هذه العبارة “استعارتها” بعض العلائلات الجزائرية التي ابتلي أحد أفرادها بمرض خطير من المستشفيات والعيادات الطبية لإبلاغ الأهل والأقارب والأصدقاء بعدم الرغبة في استقبالهم بطريقة غير مباشرة لأن حالة المريض النفسية ووضعه الصحي لايسمحان له باستقبال زوار”يطيب” لهم الحديث عن الحروب والأمراض والحوادث والجنائز أمام مريض اشتّد به المرض ونال منه الإحباط والاكتئاب حتى أصبح يرى الحياة من ثقب إبرة.
“جواهر الشروق” نقلت لكم نماذج لثلاث مريضات اضطررن رفقة عائلاتهن إلى “طرد” الراغبين في زيارتهن بطريقة غير مباشرة لتجنبيهن الإحباط وتعكير المزاج الذي يتسبب فيه زوار يقدّمون للمريض الأشواك بدل الورود.
ثرثرة جماعية!
تحولت زيارة المرضى من نعمة وخصلة حميدة حثّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: (من عاد مريضا أو زار أخا له في الله، ناداه مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً) إلى نقمة على المريض وأهله الذين يجدون أنفسهم في حيرة من أمرهم أمام توافد الأقارب والأصدقاء الذين يصرّون على “تنظيم” زيارات جماعية للمريض سواء في المستشفى أو في البيت ويجلسون معه وقتا طويلا، وبينما يؤدي بعضهم دور الطبيب بتوجيه النصائح والتعليمات للمريض وما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه، يقوم البعض الآخر بتأدية دور” الإمام” أو “المقرئ” الذي يستعان به في قراءة بعض السور القرآنية للتعجيل بخروج روح المحتضر التي تعسّر خروجها، فيهولون عليه مصابه ويصفون له حالات أشخاص أصيبوا بنفس المرض الذي أصابه وكيف طالهم الهزال وتمكّن منهم الألم، فتتدهور حالته النفسية على نحو تجعله غير قادر على مقاومة المرض، خاصة إذا كان مرضا خطيرا، ولذلك اهتدت بعض العائلات الجزائرية إلى طريقة تصرف بها الأهل عن زيارة المريض، منها كتابة عبارة على باب الشقة أو البيت ” ممنوع الزيارة”، وحول هذا الموضوع حدّثتنا السيدة نادية عن عائلة من واد العثمانية ولاية ميلة اضطرت إلى كتابة هذه العبارة على الباب لصرف الأقارب عن زيارة مريضتهم التي كانت تعاني من سرطان في مراحله الأخيرة، الأمر الذي جعلها تتضايق من كثرة الزائرين الذين زادوا من معاناتها النفسية والجسدية بسبب نظرات الشقفة وعبارات الأسى والحزن التي يلقونها على مسامعها، ولم تمض إلا أيام قليلة على كتابة هذه العبارة على الباب حتى توفيت المريضة.
كثرة السؤال و”التحري”!
وتصف ” نجوى” المصابة بمرض خطير على مستوى الكبد معاناتها مع الأقارب الذين أسرفوا في زيارتها في مستشفى العثمانية والبيت ليس بغرض الإطمئنان على صحتها والتخفيف عنها وحسب، وإنما للتعرف على حقيقة المرض الذي تعاني منه، حيث إنها لم تفصح لهم عنه وادّعت أنها مصابة بمرض رئوي بسيط، ولكن الهزال الذي أصابها جعلهم يعتقدون أنها مصابة بمرض خطير، لذلك أصبحوا يبالغون في “السؤال”و”التحري” الأمر الذي زاد من معاناتها النفسية والجسدية، وهو ما جعلها تطلب من أخواتها أن يصرفن الزائرين بطريقة لبقة مدعيات أن الطبيب هو الذي أمر بذلك.
وكذلك فعلت”سعاد” مع زميلاتها في الدراسة اللواتي أصبحن يتوافدن على بيتهم الضيّق ويجلسن معها من الصباح إلى المساء، بينما لا يمكنها الحراك كثيرا بسبب مرض خطير أصابها في المعدة، ولا يمكنها التصرف بحرية، وتذكر أن إحدى زميلاتها لا تزروها إلاّ وتحدثت لها عن الأمراض الخطيرة والأموات الذين دفنوا في ذلك الأسبوع، فأصبحت تتظاهر بالنوم وطلبت من أمها أن تصرف كل زميلاتها عن طريق الهاتف أو تدّعي أنها غير موجودة بالبيت، لأن تلك الزيارات أصابتها بالإحباط والاكتئاب.
لنتعلم آداب زيارة المريض
بينما تبدو مظاهر التحضر جلية في سلوك الناس وهندامهم خارج بيوتهم في محاولة جادة لتلقيد الغرب في كل صغيرة وكبيرة، تطغى مظاهر”التخلف” والتصرف بخشونة فيما يتعلق بالمعاملات الفردية و الجماعية، أين لايأبه أكثر الناس بمشاعر المريض التي تحتاج إلى معاملة خاصة تفرضها حالتة النفسية قبل حالته الصحية، فيذكرونه بخطورة مرضه، في كلماتهم المرتبكة وفي نظراتهم المريبة والمشفقة التي تفشي سرا يحاولون إخفائه، فلنتعلم آداب زيارة المريض حتى لا نكون سببا في تأزم وضعه الصحي.