الشيخ محمد الصالح الصديق ينشر مذكّراته
” رحلتي مع الزمان ” .. من صفحات ” الشروق ” إلى رفوف المكتبات
كتابة المذكرات فنٌّ دأب على القيام به كثير من الشخصيات السياسية والعلمية والمشاهير، بهدف تسليط الضوء على مسار أعمارهم وفق تفاصيل لا يعرفها أغلب الناس، وذكر أبرز المحطات التي عايشوها والشخصيات التي لقوها والأحداث التي صنعوها أو كانوا من شهودها، ولهذا صار هذا الفن ـ باختلاف أصحاب المذكرات ـ مصدرا من المصادر التي يستقي منها الباحثون، والمؤرخون منهم بالخصوص، بعض القضايا التاريخية والأحداث التي تسمح مثل هذه الكتابات بتسليط مزيد من الضوء عليها لفهم ملابساتها وخلفياتها والدوافع التي حرّكت صانعيها، كما يكتشف فيها الباحثون عن النجاح الأسباب المؤدية إليه أو إلى عكسه .
-
لكنّ هذا الفنّ الذي يروج في الغرب لا يحظى بنفس الألق في العالم العربي، وذلك لأسباب كثيرة لعلّ أبرزها غياب ثقافة الكتابة والتوثيق، سيما في الجزائر، ولهذا يبدو نتاج هذا النوع من الكتابات ضئيلا لا يحمل ثراء الكتابات الغربية التي تصنع مذكرات شخصياتها الحدث، ولعل مذكرات الرئيس الأمريكي السابق جورج والكر بوش خير دليل على ذلك، حيث أنها أسالت كثيرا من الحبر وحظيت بمتابعة دقيقة لتفاصيلها بما جعلها تشكل مادة خبرية تُثير الحديث وتبعث الجدل حول كثير من القضايا والوقائع.
-
وجاءتْ مذكرات الشيخ محمد الصالح الصديق لتكسر القاعدة وتكشف ثراء التجربة الجزائرية في مجال المذكرات، خاصة إذا علمنا أن الكتاب يكتسي أهمية كبيرة تبعا لأهمية الشخصية التي دونت تفاصيله، حيث توفر لها ما لم يتوفر لغيرها على أكثر من صعيد.
-
إن صاحب “رحلتي مع الزمان” كان شاهدا على الأحداث وصانعا لها في نفس الوقت، فهو شخص وهب حياته للعلم فدرس ودرّس وسافر وتغرّب من أجل تحصيله، والتقى أثناء ذلك بكثير من الشخصيات العلمية والسياسية والثورية، في الجزائر وخارجها، وقد كان شاهدا على آخر العصور الذهبية للزوايا التعليمية في منطقة القبائل وتتلمذ على آخر جيل من العلماء الكبار الذين سطع اسمهم، رغم ظلام الاستعمار، في الجزائر والعالم العربي. كما كان عنصرا فاعلا شهد ميلاد الثورة التحريرية واحتضنها وخدمها بلسانه وقلمه وفكره وسلاحه أيضا، فهو صاحب السلاحين: القلم والرشاش، وقد ترك لنا تراثا كبيرا يشهد على ذلك .
-
وإذا انضاف إلى عمق التجربة قلمٌ سيّال وذهنٌ متوقّد وقلمُ أديب فقد بلغت المذكّرات غاية ما يمكن لها أن تبلغه، لأن صاحب المائة كتاب وأربعة كتب ـ والقائمة لا تزال مفتوحة ـ عرف كي يقتنص التاريخ الجزائري: العلمي والثقافي والنضالي والاجتماعي، ويحوّله إلى لوحة فنية مبدعة تجعل من كتابه مرجعا لا غنى عنه لكل دارس للتاريخ الثقافي والسياسي وحتى الاجتماعي، خاصة في بلاد الزواوة .
-
نفحات من ” زواوة “
-
يشدُّك الكتاب منذ الوهلة الأولى وهو يُبحر بك في فضاء التركيبة الاجتماعية والثقافية لمنطقة القبائل، ويلفت انتباهك منذ البداية إلى أن هذه المنطقة من أكثر المناطق اعتزازا بالإسلام وحفاظا على اللغة العربية، ويضرب لك أروع الأمثلة لثلة من العلماء الذين ذاع صيتهم في المغرب والمشرق وأتقنوا العلوم العربية والإسلامية، من أمثال الشيخ أرزقي الشرفاوي ومولود الحافظي وغيرهم، ثم يقودك إلى الحديث عن سيرته هو في الطلب عبر مختلف مراحل عمره، وحرص والده على تعليمه، وما لاقى في سفرته إلى الزيتونة طلبا للعلم من الشدائد التي صبر عليها، وكيف انخرط في سلك الثورة التحريرية وأصبح أحد ألسنتها المنافحة عنها، وكذا مجريات حياته بعد الاستقلال ومشاهداته وخلاصة تجاربه في الحياة .
-
وتظهر لمسات الأديب واضحة في كتابة هذه المذكرات، وقد حرص على ذكر عدد كبير من الشخصيات التي لقيها وكان له معها خبر أو قصة، مثل العقاد وطه حسين وملك ليبيا وبورقيبة والشيخ ابن باديس والعقبي، إضافة إلى أبرز الشخصيات الثورية الوطنية كالعقيد عميروش ومحمد إعزورن وغيرهم، ولم يُغفل الكُتًّاب والصحفيين والأدباء الذين عرفهم بعد الاستقلال وذكر فيهم كلمات طيبة ومشجعة نبعت من قلب يرى الناس بعين الخير والرضا فيذكر أحسن ما يعلم عنهم ويسكت عما سوى ذلك وفق منهج ذكره في بداية كتابه وبين الأسباب التي دفعته إلى اعتماده.
-
“رحلتي مع الزمان”، التي كان لـ “الشروق” شرف السبق في نشره أهم صفحاتها مسلسلة في رمضان الماضي، لا يجمع بين دفّتيه ذكريات الشيخ محمد الصالح الصديق فحسب، وإنما يجمع ذاكرة الأمة الجزائرية على امتداد قرن من الزمان تقريبا، أي ما قبل ولادة صاحب المذكرات الذي روى لنا أخبارا وقصصا عن آبائه وأجداده إلى زمننا هذا، والشيخ لا يزال يحرص على إضافة أشياء جديدة إذا ما قُدّر لهذا الكتاب أن يصدر في طبعة ثانية، وكتابه هذا، إضافة إلى كتبه الأخرى، قلادةٌ يتحلى بها جيد الجزائر التي لم تزل أُمًّا وَلُودة خَصبة الأرحام.