رحيل روراوة ليس “ترياقا” والمنظومة الكروية موبوءة وفاسدة
واصل المدرب الجزائري نور الدين زكري، حديثه إلى “الشروق” عن خبايا ومشاكل كرة القدم الجزائرية، وأكد أن رحيل روراوة عن الفاف، كما تدعمه بعض الأطراف في الظرف الحالي، لن يكون حلا جذريا لمشاكل كرة القدم الجزائرية، على اعتبار أن المنظومة الكروية الجزائرية موبوءة وفاسدة، وشدد المدرب السابق للعميد على أنه تعرض للتهميش في الجزائر بسبب مواقفه وتصريحاته، كما دافع عن الحارس شاوشي ووصفه باللاعب المظلوم، بعد أن كان بطلا قوميا في أم درمان، وتطرق زكري إلى عدة قضايا أخرى شغلت الرأي العام الرياضي في الآونة الأخيرة.
البعض حمل جزءا من الإخفاق القاري للاعبين، بالنظر إلى مردودهم الباهت في دورة الغابون، ما رأيك؟
لا يمكن أن نشكك في إمكانات اللاعبين، لكن هناك أمور حدثت، فلا محرز كان محرز سيتي ولا براهيمي ظهر بمستواه المعهود، كل اللاعبين كانوا بعيدين عن مستواهم، فاللاعب مهما كان وزنه وبلغت مستوياته الفنية فهو في حاجة إلى تحضير نفسي وفردي وجماعي، وهذا لا يكون إلا عند مدرب يملك لغة التواصل ويكون مؤثرا في اللاعبين.. تأثير ليكنس في اللاعبين غير موجود واللاعبون دخلوا الميدان وهم خائفون، التحضير النفسي مهم ومهم جدا، ومن جانبي كنت أهتم كثيرا بهذا العامل لأنه غالبا ما يكون حاسما في مردود اللاعبين ونتائج المواجهات.. أنا كنت لاعبا وأعرف هذه المعطيات، يجب أن نعرف كل شيء عن اللاعبين حتى نتمكن من تسييرهم والاستفادة من كل إمكاناتهم، ففي إيطاليا كان هناك كاسانو لاعب موهوب لكنه غير منضبط تماما وشخصيته كانت معقدة جدا، إلى درجة أنه كان يملك 25 سيارة شخصية في مرآبه، ولكن المدربين الذين تعاقبوا عليه عرفوا كيف يسيرونه، أما في الجزائر فحولنا شاوشي إلى وحش بسبب مشكل صغير من الناحية النفسية، شاوشي كان حارسا كبيرا في أم درمان وواجه الحضري، لكن شاوشي انتهى في سن الـ25 والحضري لعب نهائي “الكان” وعمره 44 سنة.. لقد حطمنا وظلمنا شاوشي كثيرا.
لكن المدربين هم من طردوا راييفاتس، ولهذا هم يتحملون جزءا من المسؤولية؟
لا أوافق هذا الرأي لأننا لم نختر المدرب المناسب لهم، عندما ترى الأخطاء التي ارتكبوها في دورة الغابون، تدرك أنها أخطاء غير طبيعية لأنهم كانوا بعيدين كل البعد عن معايير التحضير والاستعداد لمثل هذه المنافسات الكبيرة.. هذه لعبة جماعية يحضر لها المدرب، فإذا كان هذا المدرب يحفزهم بالقول، يقصد ليكنس، “هيا يا الأبيض”، إذن فعندما يغيرون القميص سيناديهم ويحفزهم بالاستناد إلى لون قميصهم، كما أن المساعدين ليسوا في المستوى ولا واحد منهم كان يعي ما كان يحدث.
هل يكمن الحل حسب رأيك في رحيل روراوة؟
رحيل روراوة لوحده من المنظومة الكروية لا يكفي، لأن المشاكل التي تعيشها كرة القدم الجزائرية أعمق من أن تلخص في شخص واحد، على من يعيش في هذه المنظومة من الصحفيين والمدربين والوزارة والفاف والرابطات والحكام والأندية والمسيرين واللاعبين وقدامى اللاعبين من التحرك لإيجاد الحلول، لابد من تكوين خلية أزمة للكرة الجزائرية تضم أهل الاختصاص حتى نعالج أمراض كرة القدم بالجزائر.. المنظومة الكروية بالجزائر موبوءة وفاسدة، فالتحكيم فاسد ورؤساء الأندية ساهموا في إفلاس الكرة، بدليل أننا لم نكون لاعبا واحدا للمنتخب بعد 7 سنوات من الاحتراف، لأننا نهمل التكوين ونهتم بالفريق الأول رغم أن الدولة هي التي لا تزال تدعم الأندية ماليا، الجميع يتحدث عن الرشوة وترتيب المباريات دون حسيب ولا رقيب، والفاف تناقض نفسها بالحديث عن تكوين 2000 مدرب، ثم يقول رئيسها بأن الجزائر لا تتوفر على مدربين أكفاء لقيادة المنتخبات الوطنية.. وحتى الوزارة مسؤولة عن هذه النكسات.
كيف ذلك؟
الوزارة مسؤولة عن المنشآت الرياضية ومراقبة أموال الدولة، الآن يدور الحديث عن تدخلها ورغبتها في المحاسبة، أين كانت مسؤولياتها في السنوات الأخيرة، هناك إفلاس تام بعد 7 سنوات من الاحتراف، لا توجد هناك ملاعب ولا هياكل، كان بإمكاننا التفكير في تنظيم كـأس العالم أو على الأقل تقديم ملف الترشح، بالنظر إلى موقعنا الجغرافي وإمكاناتنا، لكننا عجزنا عن بناء ملعب واحد يليق بهذا البلد، لقد عجزنا عن تحقيق حلم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي قال في أحد تصريحاته إن الجزائر قادرة على تنظيم المونديال، لكن المسؤولين لم يطبقوا برنامج الرئيس في الجانب الرياضي، إذا كان على وزير الرياضة أن يحاسب، فعليه أن ينظر إلى كرة القدم بزاوية 180 درجة، لأنه لا يمكن أن “نمسح الموس” في شخص واحد.. صراحة إصلاح كرة القدم في حاجة إلى قرار سياسي.
بعض المتابعين يتساءلون عن سر عدم إمضائك لأي فريق حاليا، كيف تفسر ذلك؟
لأن المنظومة الكروية بالجزائر ساهمت في تهميشي.. فقبل كأس إفريقيا كان لي اتفاق متقدم مع ناد كبير في شمال إفريقيا، قبل أن تفشل الصفقة بعد أن قال لي وكيل أعمالي إن رئيس الفريق المعني اتصل بمسؤول كبير في كرة القدم الجزائرية وسأله عني..؟ أنا أعيش هذا السيناريو منذ رحيلي عن الجزائر، حيث حدثت لي العديد من الأمور السلبية، التي كان مصدرها دائما الجزائر، على غرار عقوبتي الإفريقية عندما كنت مدربا لنادي أهلي شندي السوداني.
هذا، لأن البعض يقول إن زكري مدرب كثير الكلام ومصدر مشاكل؟
هذا غير صحيح، أنا أتحدى أي شخص أن يثبت أن زكري يختار المنابر الإعلامية للتهجم على الأشخاص أو ما شابه ذلك.. الواقع، أن المنظومة فاسدة وأنا لا يمكنني العمل في محيط فاسد يعاقب عليه قانون الأرض وقانون السماء، لا يمكنني العمل في بطولة يتم تحديد بطلها سلفا.
هل تشعر بأن اسمك مدرج ضمن قائمة سوداء؟
يضحك.. رؤساء الأندية يتبعون “الطيّار”.. البعض يقول إن الأندية لا تتعاقد مع زكري لأنها تخشى “غضب” رئيس الفاف و”عقوباته”، هم يخافون على مستقبل أنديتهم إن تعاقدوا معي، لقد كانت لي أربعة اتصالات في الآونة الأخيرة، آخرها كان منذ أسبوعين فقط، لكني رفضت تلك العروض حتى لا أكون سببا في تعرض تلك الأندية لأي تبعات جراء التعاقد معي.
لكن حسب مواقع التواصل الاجتماعي والأنصار، أنت تشكل مطلبا شعبيا لعدة أندية، ما رأيك؟
بالنسبة لي الأنصار هم الرسمي، وكان من المفروض على رؤساء الأندية تقديم أفضل ما يمكن لفرقهم ولأنصارهم، وتجربتي مع فريقي وفاق سطيف ومولودية الجزائر تؤكد أن علاقاتي كانت دائما جيدة مع الأنصار، ولم يسبق لي وأن تعرضت للشتم من طرفهم، علاقتنا كانت مبينة على الاحترام وكنت احرص على تقديم الكرة الجميلة للأنصار.. أنا أطبق القاعدة الدينية التي تقول”من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس..ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عنه وأسخط عنه الناس..”، إذا كنت وفيا لعملك وأرضيت الله تحبك الناس لا شك في ذلك.
ماذا تقصد؟
إذا كانت المنظومة الكروي تمشي إلى الهاوية فأنا لا أمشي معها..أنا مستعد لأقف وحدي، غريب ما يجري في كرة القدم الجزائرية، فعندما ترى رئيسا كان يشتري المباريات ويتعامل مع السحرة، ثم يظهر الآن في صورة الناصح والعارف بالخبايا الكروية فهذا مؤسف.. بالنسبة لي مواقف الرجال لا تتغير وأنا متمسك بكل مواقفي، قبل أن أتحدث في الجرائد حاولت الحديث مع المسؤولين، لكن لم أجد من يستمع لي.
البعض يلومك بسبب تصريحك الشهير وقولك بأنك مدرب إيطالي وليس جزائري؟
أنا لا أخرج عن الجانب الديني، لأنني تربيت في المسجد وعشت يتيما، فوالدتي توفيت وعمري سنتان ووالدي عاد من فرنسا بعد أن بلغت الـ14 سنة، وديننا يقول من لا يشكر الناس فلا يشكر الله..إيطاليا ساهمت في تكويني كمدرب، لقد سافرت إلى إيطاليا من أجل كرة القدم ومررت بفترات صعبة، لقد عملت في الحقول وجني الطماطم.. أنا أشكر المدرسة الإيطالية التي كونتني..من يشك في جزائريتي، عليه أن يعرف بأنني أول من درب فريق الجالية الجزائرية في إيطاليا في عز الأزمة 1990، ثم ترأست جمعية بميلانو كانت تنظم دورات لجميع الجاليات في إيطاليا، والجزائر فازت بكأس العالم للجاليات سنة 2006 وكأس إفريقيا والفريق مازال موجودا، قمت بفك العزلة عن الجزائر بمالي الخاص وجهدي الخاص في وقت كان يقول فيه البعض عنا بأننا إرهابيون.
من يشكك في وطنية زكري فهو مخطئ.. أنا أعمل بشهادات إيطالية ودرست عند كابيلو وزاكيروني وساكي، أنا مدرب إيطالي من الجانب الكروي، وأدليت بهذا التصريح كرد فعل في بولوغين لما كان الجميع يشكك في قدرات المدرب المحلي وأنا سئمت من الدفاع عن هذه القضية.. أنا شاوي وعائلتي أعطت للثورة الجزائرية 5 شهداء في جبال الأوراس، ولن أكون الشخص الذي يأتي اليوم ويقول بأنه ليس جزائري.
ما قصة تدريبك لفريق مساجين بإيطاليا، والتي حاولت بعض الأطراف استغلالها للتقليل من شأنك؟
أين العيب في ذلك نعم لقد دربت فريقا للمساجين..لدي تسجيلات وفيديوهات وسيأتي الوقت لأعد وثائقيا حول هذه النقطة.. الحكاية بدأت عندما كنت أدرب فريق بريرا كالتشيو بمدينة ميلان، والذي قام مسيروه بإبرام توأمة مع سجن الأوبرا حتى يتم إشراكه في البطولة المحلية رسمية، بموافقة وزارة العدل والرياضة والاتحاد الإيطالي ومدير السجن فراغو ميني، وكان الفريق مشكلا من بعض اللاعبين الذين سبق لهم اللعب في أندية إيطالية معروفة، لقد كان أغلبهم لاعبون وليس مساجين عاديين، وكان من ضمنهم لاعب جزائري سبق له اللعب في الفئات الشبانية لمولودية الجزائر..المهم المشروع كان ناجحا وتبنته قناة “راي” الإيطالية لسنة كاملة وكل شيء موثق ومصور في حصة إيطالية مشهورة كانت تبث كل ليلة جمعة، لقد سجلت نتائج كبيرة مع هذا النادي وفزت بـ13 مباراة متتالية وصعد النادي إلى المستوى الأعلى في سابقة بايطاليا، المهم أنني فخور بهذه التجربة، خاصة أن الإيطاليين حولوا هذه القصة إلى فيلم، لكن الناس في الجزائر تسوق لكلام آخر وبسلبية كبيرة.. أنا لا أبحث عن رضا الناس، المهم رضا الله تعالى، فأنا “تحقرت وتظلمت” لكني صابر لله والحمد لله.
الكثير الآن يتحدث عن ضرورة إسناد تدريب المنتخب لمدرب جزائري، ما رأيك وهل أنت قادر على مثل هذا التحدي؟
أنا رجل تحديات ولا توجد مهمات صعبة بالنسبة لي، تفاءلوا خيرا تجدوا خيرا..إذا عادت كرة القدم لأهلها فإن زكري لن يبقى بدون فريق، بإمكاني العمل في كل الفرق الكبيرة، كما يقال في الجزائر، بـ”السيجار”، لو كنت في المنتخب لسيرته بـ”السيجار” ولو كنت مع المنتخب في الغابون لتوجت بكأس إفريقيا.
أليس هذا غرورا؟
لا بل هو ثقة في نفسي ومن يقول العكس هم الفاشلون، هل منحت الفرصة لي حتى يثبت العكس.. زكري قال إن البارصا لن تفوز عليه، هل لعبت أمام البارصا حتى يمكن إثبات صحة كلامي من عدمه..
إنها تصريحات افتراضية وصعبة التحقيق حسب العديد من المتابعين؟
تصريح البارصا الشهير كان رد فعل، وفي بعض الأحيان رد الفعل لا يكون طبيعيا، لكنه في هذه الحالة كان طبيعيا، وكان تحديا لمن ظلمني عندما كنت مدربا لمولودية الجزائر، حيث لم أنهزم في تلك الفترة لـ12 مباراة متتالية رغم الظلم التحكيمي الذي كمنا نعاني منه، فقلت ذلك التصريح وقصدت به نفسي وليس المولودية، حتى أبعد الضغط عن اللاعبين والإدارة وهذا ما حدث بالفعل، أليس هذا تصرفا ذكيا.. لكن الجميع كان يقول عني بأني “مجنون”.
ما رأيك في تتويج بروس بكأس إفريقيا، في حين نعتني هذا المدرب بالفاشل في الجزائر؟
في الجزائر كل شيء ممكن فحتى لو جلبنا مورنيو يمكن أن يقال عنه أنه مدرب فاشل، فحناشي قال هذا الكلام حتى عن مدربه السابق الفرنسي كريستيان لانغ، لكن عندما أقاله قال عنه بأنه مدرب فاشل، وإذا كان هذا صحيحا فهذا يعني أن حناشي كان في غيبوبة خلال سنتين قبل أن يستفيق ويطلع على الحقيقة.. حناشي قدم الكثير لكرة القدم الجزائرية ولفريق شبيبة القبائل ولا يمكن إنكار ذلك وعليه أن يخرج من الشبيبة بتكريم خاص، لقد حان الوقت لرحيله، وأقولها له مباشرة.. هذه نصيحة أخيك الشاوي يا حناشي حان وقت الرحيل لأن الأمور تجاوزتك، أما بخصوص بروس فعلى الأقل كانت له الشجاعة لكشف تدخلات رؤساء الأندية فنيا على عكس المدربين المحليين، الذين أصنفهم في خانة الممرنين وليس المدربين لأن بعضهم لا يملك الشجاعة ليوقف الرؤساء عن حدهم ويمنعهم من دخول غرف الملابس التي تعد ملكية خاصة للمدرب وفقط.
كلمة أخيرة؟
صراحة أنا أدفع ثمن مواقفي وأنا غير منصف إعلاميا، والدليل أني بدون فريق حاليا، هذا لا يعني بأن العروض لم تصلني، لكنها لم تكن تتوافق مع طموحاتي في الغالب، وعندما تكون تلك العروض في المستوى تقف بعض الأطراف في طريق تجسيدها وأطعن في ظهري.. كل ما يمكنني أن أقوله أن بعض الأطراف قررت إطفاء “الأضواء الكاشفة” وإشعال “الشموع”.