الرأي

ردًّا على نداء “لوموند”: الفرنسية تراث أم امتياز مُستَتِر؟ !

ح. م
صورة تعبيرية.

تولّى جول فيري Jules Ferry (1832-1893) رئاسة مجلس الوزراء الفرنسي ووزارة التعليم في عهده. وكان قد أشرف على هذه الوزارة عدة مرات خلال الفترة 1879-1883، وهو يُعدّ أبًا للمدرسة الفرنسية الحديثة، ولا سيما في ترسيخ مبدأ العلمانية في التعليم منذ نهاية القرن التاسع عشر. وكل ما نشهده من إيجابيات وسلبيات في المدرسة الفرنسية يحمل بصمة جول فيري رغم مرور نحو قرن ونصف من الزمن. ذلك كان موقفه في قطاع التعليم. أما مواقفه العنصرية ذات الطابع العرقي، التي يتغاضى عنها بعض الفرنكوفيل عندنا، المتشبثين بالتراث الفكري الاستعماري وباللغة الفرنسية بوصفها مرجعية وجودية وهويّتية، فمسألة أخرى؛ إذ إن الدعوة إلى التوسع الاستعماري وتصنيف البشر على أساس أعراقهم إرثٌ فكري صريح لجول فيري… لا يشرّف فرنسا ولا أتباعها.

1. عنصرية هذا المربّي

لتوضيح ذلك يكفي أن نشير إلى أن الدورة البرلمانية الفرنسية خُصّصت يوم 28 جويلية 1885 لمناقشة مشروع الاعتمادات الاستثنائية لتمويل بعثة استكشافية إلى مدغشقر قصد غزوها. كان النقاش حادا بين المعارضين لتمويل البعثة وبين جول فيري الذي كان يدافع باستماتة عن التوسّع الاستعماري إذ يراه “نظاما ضروريا يخدم اقتصاد فرنسا” فضلا عن “دوره الحضاري”.

ويبرّر جول فيري موقفه المؤيد للاستعمار بالقول الصريح: “هل يمكنك أن تنكر، هل يمكن لأي شخص أن ينكر وجود المزيد من العدالة، والمزيد من النظام المادي والمعنوي، والمزيد من المساواة، والمزيد من الفضائل الاجتماعية في إفريقيا الشمالية منذ أن قامت فرنسا بغزوها؟ عندما ذهبنا إلى الجزائر للقضاء على القرصنة، وضمان التجارة الحرة في البحر الأبيض المتوسط​​، هل كنا نقوم بعمل القراصنة والغزاة والمدمّرين؟”. ويضيف أن على فرنسا أن “تحمل حيثما أمكنها لغتها وعاداتها وعلمها وأسلحتها وعبقريتها”. ويواصل: “يجب أن نقول صراحة إن الأجناس المتفوّقة لها، في الواقع، الحقّ في مواجهة الأجناس الدنيا. هناك حقّ للأعراق المتفوّقة لأن هناك واجبا: واجبهم في نقل الحضارة إلى الأعراق الدنيا”!

تذكرنا جول فيري ومدرسته وعنصريته ووصفه لنا بـ”الأعراق الدنيا” عندما نشرت مجموعة من “المثقفين والجامعيين والباحثين الجزائريين وأفراد الجالية” (هكذا قدموا أنفسهم)، نداء نشرته صحيفة “لوموند” يوم الخميس 13 أوت تحت عنوان “الفرنسية أصبحت جزءًا من التراث الفكري والعلمي والثقافي للجزائر”. أما الموقعوت العشرة لهذا النداء فلم نجد  أحدا منهم ينتسب للتربية، بل كثير منهم من الحقوقيين ومن أصحاب المهن الحرة، وبعضهم يحمل أسماء أجنبية.

2. نداء “لوموند”

يطلب النداء من السلطات الجزائرية وقف ما يسمونه “تهميش” اللغة الفرنسية في الجزائر إثر زحزحة هذه اللغة إلى السنة الرابعة في المرحلة الابتدائية، ويقولون إن هذا التحوّل توجّهه اعتبارات أيديولوجية أكثر مما تحكمه استراتيجية لغوية مدروسة، وإن الفرنسية أصبحت، بفعل التاريخ والاستعمال، جزءًا من التراث الفكري والعلمي والثقافي للجزائر. ويذهبون إلى الاستشهاد بكون نداء أول نوفمبر 1954 قد صيغ بالفرنسية.

 كما يحذرون من أن إدخال الإنكليزية، من دون توفير الوسائل البيداغوجية وتكوين المدرسين، قد يؤدي إلى جيل لا يتقن العربية ولا الفرنسية ولا الإنكليزية، ويشيرون إلى أن مستقبل الفرنسية في أفريقيا واعد بسبب النمو الديموغرافي للقارة، وأن الحفاظ على هذه اللغة يخدم علاقة الجزائر بفضائها الأفريقي وبجاليتها. وفي النهاية يدعون إلى سياسة لغوية تعزز الحفاظ على الفرنسية في مختلف مستويات التعليم.

غير أن هذه الحجج، رغم ما فيها من عناصر صحيحة، لا تثبت النتيجة التي يريد أصحاب النداء الوصول إليها. فوجود تراث جزائري مهمّ مكتوب بالفرنسية حقيقة لا جدال فيها، لكن الاعتراف بهذا التراث شيء، وتحديد اللغة التي ينبغي أن تكون لها الأولوية في تعليم الأجيال المقبلة شيء آخر! لِمَ لا يقولون إن التراث يُحفظ ويُدرّس ويُترجم، لكنه لا يمنح اللغة التي كُتب بها حقًا أبديًا في احتلال موقع الصدارة في المدرسة والجامعة؟ ولو كان وجود تراث علمي أو أدبي بلغة معينة كافيًا للإبقاء عليها لغةً مهيمنة، لكان ينبغي على أوروبا أن تتمسك باللاتينية لأنها كانت لغة العلم قرونًا طويلة.

3. التحجج بنداء أول نوفمبر

ثم إن الاستشهاد بلغة نداء أول نوفمبر لإثبات مكانة الفرنسية الحالية حجة واهية: فكون وثيقة تاريخية كُتبت بلغة معينة لا يعني أن تلك اللغة يجب أن تكون لغة التعليم بعد أكثر من سبعين عامًا. ولمَ لا نقول إن السبب يكمن في محاربة فرنسا للغة القرآن، وفي تجهيل السكان الأصليين بسنّ قانون “الأندجينا” العنصري ونشرها للأمية بين أبناء الوطن؟  ثم نسأل: أين أذيع ذلك النداء باللغة العربية ليلة 1 نوفمبر 1954؟ ألم يكن ذلك عبر إذاعة “صوت العرب” بالقاهرة؟ وهل بثّته إذاعة باريس باللغة الفرنسية التي كتب بها أول مرة؟ !

أما الاستشهاد بكاتب ياسين ومولود فرعون وغيرهما، فهو حجة على ثراء الثقافة الجزائرية حتى زمن الاستعمار، وليس حجة على ضرورة جعل الفرنسية لغة المستقبل، كما أن قراءة أعمالهم لا تتطلب أن نجعل لغة مؤلفاتهم لغة التعليم الأولى، بل يمكن أن نترجم -لمن لا يجيد الفرنسية- ذلك الإنتاج إلى العربية والإنكليزية وغيرهما… وقد ترجم بعضها منذ زمان. إن المنطق القائم على: بما أن “الفرنسية جزء من التراث الجزائري” فإنه “يجب تعزيز الفرنسية في النظام التعليمي” هو منطق خاطئ بل يمثل ابرز مغالطة في هذا الخطاب.

السؤال الأساسي هو: هل الفرنسية هي اللغة الأكثر فائدة لمستقبل التلميذ والطالب الجزائري للوصول إلى مصادر المعارف العلمية العالمية اليوم وغدًا؟ الجواب: الفرنسية كانت لغة قطاعات واسعة من التعليم العالي عندنا نتيجة مسار تاريخي وليس لأنها تحمل بين طياتها فضائل علمية تجعلها أصلح من غيرها للطب والرياضيات والفيزياء والهندسة. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل نستمر في تعليم الفرنسية لأن آلاف الجزائريين يستعملونها؟، بل السؤال الأدق هو: أي لغة تفتح أمام الطالب أوسع أبواب المعرفة التي سيحتاج إليها خلال العقود المقبلة؟ والقول إن الطفل سيصبح عاجزًا عن إتقان العربية والفرنسية والإنكليزية ليس حقيقة علمية حتمية، وإنما نتيجة محتملة لسوء التخطيط وسوء التدريس.

4. …وحجة إفريقيا الفرنكفونية والجالية

يستند أصحاب النداء إلى أن مستقبل الفرنسية سيكون أفريقيًا، وأن النمو السكاني في القارة سيجعل أغلبية الناطقين بها في أفريقيا، وهي حجة تبدو قوية بالأرقام، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فالإحصائيات التي تُستعمل عادة لإثبات هذا “المستقبل الفرنكوفوني” تصدر عن المنظمة الدولية للفرنكوفونية. ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع أرقامها، ولا سيما مع الطريقة التي تُحتسب بها أعداد “الناطقين بالفرنسية”.

فارتفاع عدد السكان في دول أفريقية، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا يعني تلقائيًا ارتفاع عدد المتحدثين بالفرنسية بالمعنى الذي يوحي به الخطاب الفرنكوفوني لهؤلاء الفرنكفيليين إذ إن إدراج بلد ذي تعداد سكاني ضخم ضمن الفضاء الفرنكوفوني يمكن أن يرفع بصورة هائلة العدد الإجمالي المتوقع للفرنكوفونيين، حتى وإن كانت الفرنسية بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السكان لغةً مدرسية أو إدارية أكثر منها لغةً يومية أو لغة تخاطب أبناء البلد.

والأهم من ذلك أن هذه التوقعات الديموغرافية ليست قدرًا لغويًا مؤكدا ذلك أن اللغة الرسمية والسياسة التعليمية يمكن أن تتغير بقرار سياسي، كما حدث ويحدث في عدد من الدول الأفريقية التي بدأت تقلص الاعتماد على الفرنسية أو تعيد النظر في موقعها لصالح لغات وطنية أو الإنكليزية. وعليه نقول إن مستقبل اللغة لا تحدده سجلات المواليد وحدها، بل تحدده أيضًا المدرسة والجامعة والاقتصاد والسياسة والبحث العلمي واختيارات الأجيال الجديدة. ومن ثمّ، لا ينبغي أن تتحول توقعات ديموغرافية مبنية على سيناريوهات قابلة للتغير إلى حجة لإبقاء الفرنسية في موقع متميّز داخل المنظومة التعليمية الجزائرية.

كما أن القول بأن تراجع الفرنسية سيضعف صلة الجزائر بجاليتها لا يصلح كمبدأ لسياسة تعليم وطنية: إن الجالية الجزائرية ليست محصورة في فرنسا ولا في المجال الفرنكوفوني، كما أن التلميذ الجزائري المقيم في فرنسا يستطيع تعلم الفرنسية في البيئة الفرنسية، بينما التلميذ الجزائري الموجود في الجزائر يحتاج إلى لغة تفتح أمامه أبواب الجامعات والشركات والشبكات العلمية في العالم. ولا ينبغي أن تُبنى السياسة اللغوية لبلد كامل على واقع جزء من جاليته.

 إن لغة الأمس ليست بالضرورة لغة الغد، واللغة التي يحتاج إليها الباحث الجزائري في الحقول العلمية المختلفة أو في النشر العلمي الدولي لا ينبغي أن تُحددها اللغة التي كتب بها بيان سياسي سنة 1954 أو رواية في القرن العشرين. كما أن يُستعمل وصف اللغة الفرنسية بأنها “جزء من التراث الفكري والعلمي والثقافي للجزائر” ذريعةً للإبقاء على امتيازها التاريخي في المدرسة الجزائرية، فذلك خلطٌ بين حفظ التراث وصناعة المستقبل: التراث يُصان ويُستثمر في صالح البلاد، أما لغة المستقبل فتأتي بعد اللغة الوطنية، وتُختار وفق حاجاته ومتطلباته.

مقالات ذات صلة