رسالة توفيق…هل هي نهاية “جنرالات جانفي”؟
خلفت التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس دائرة الاستعلام والأمن السابق، الفريق المتقاعد محمد مدين، المدعو توفيق، ووزير الدفاع الأسبق، الجنرال المتقاعد خالد نزار، التي دافعا فيها عن الجنرال حسان السجين، جدلا سياسيا واسعا، بين منتقد ومؤيد، فبينما اعتبرها البعض خروجا عن القانون وتضع أصحابها تحت طائلة جنحة التقليل من شأن الأحكام القضائية، لانتقادها حكما قضائيا صدر عن العدالة السيدة، يذهب البعض الآخر غير ذلك، لكون تلك التصريحات لم تؤثر على مجريات التحقيق، وأن من صدرت منهما انتظرا إلى ما بعد صدور الحكم. فما هو التوصيف القانوني الأكثر إقناعا لهذه القضية؟ وهل ما حصل يمكن اعتباره تقليلا من شأن الأحكام القضائية؟ وهل القانون يسمح للبعض دون البعض الآخر في التعليق على الأحكام القضائية؟ وما خلفيات خروج الفريق توفيق عن صمته في هذا الوقت بالذات؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها الملف السياسي لهذا العدد.
خلفت جدلا سياسيا واسعا
تصريح توفيق ونزار.. الرسالة والهدف
قسّمت التصريحات الأخيرة لكل من وزير الدفاع الأسبق، الجنرال المتقاعد خالد نزار، ورئيس دائرة الاستعلام والأمن السابق، الفريق المتقاعد محمد مدين، المدعو توفيق، السياسيين والحقوقيين ورجال القانون، حول خلفياتها السياسية وتداعياتها القانونية، كونها تتعلق بقضية حسمت فيها العدالة .
وكان خالد نزار السبّاق للإعلان عن موقفه من قضية حبس الجنرال حسان بخمس سنوات سجنا نافذا، حيث وصف الحكم بالـ “جريمة”، وهو ما خلف جدلا سياسيا وقانونيا وإعلاميا واسعا، لأن الكثيرين اعتبروا ما صدر عن وزير الدفاع الأسبق، تقليلا من شأن الأحكام القضائية، وهو الأمر الذي يعاقب عليه القانون، لأن الأحكام تصدر باسم الشعب الجزائري .
أما الفريق المتقاعد، محمد مدين، فلم يكن تصريحه مباشرا بالشكل الذي من شأنه تغذية الجدل، فهو تحدث في بداية تصريحه عن “ذهوله” من الحكم الصادر بحق ذراعه الأيمن سابقا في مكافحة الإرهاب، الجنرال حسان، أما المنفذ الذي قد تتسرب عبره الشكوك فيتمثل في العبارة التي قال فيها: “.. إن الأمر المستعجَل اليوم يَكْمُن في رفع الظلم الذي طال ضابطا خَدَم البلد بِشَغَفٍ ..”.
وتتضمن العبارة الثانية من تصريح الفريق المتقاعد، حديث عن “رفع الظلم”، وهو إقرار ضمني بأن ما قضت به المحكمة العسكرية بوهران، بحق الجنرال حسان، كان “ظلما”، وهنا يلتقي موقف الفريق المتقاعد (توفيق) مع تصريح الجنرال المتقاعد (نزار) بخصوص قضية الجنرال حسان .
ومما لا شك فيه أن الفريق والجنرال، ليسا مجرد رجلين عاديين، فهما من أبرز رجالات المؤسسة العسكرية السابقين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليس فقط بحكم الرتب التي تقلداها، بل بحكم المسؤوليات النوعية التي أوكلت لهما، ما يعني أن الرجلين فكرا جيدا قبل الانخراط في مسعى من هذا القبيل، وكانا يدركان مسبقا أنه سيخلف ارتدادات في الساحتين السياسية والإعلامية، وهو ما حصل .
ويبدو من خلال قراءة التداعيات أن الرجلين لم يدليا بمجرد تصريح ذي طابع قانوني محض، بل بموقف سياسي، يعتقدان أنه كان لا بد منه.. فقضية سجن “الجنرال حسان”، وبرغم التخريج القانوني الذي أعطي لها، إلا أنها تؤشر أيضا على نهاية مرحلة انطلقت في بداية التسعينيات، مرحلة يعتبر نزار وتوفيق من أبرز رجالاتها.
وفي نظام مثل النظام الجزائري المحكوم بالعصب، نادرا ما تنتهي مرحلة من دون أن تخلف وراءها ضحايا، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، وليس أدل على ذلك من قضية الجنرال مصطفى بلوصيف، التي وإن كانت بـ “تخريجة” قانونية تتعلق بنهب ممتلكات عمومية، إلا أن من عايشها اقتنع بأن تلك القضية لم تكن سوى محاكمة لنظام الرئيس الأسبق، الشاذلي بن جديد، الذي يعتبر الراحل بلوصيف من أبرز رموزه.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن تصريحي الفريق المتقاعد توفيق والجنرال المتقاعد خالد نزار، ما هما إلا رسالة للطرف الآخر، مفادها أن المرحلة لم تنته بعد، وهو التصور الذي لا يزال الجدل بشأنه قائما، وإن كانت غالبية العارفين بخبايا النظام الجزائري، تجمع على القول بأن بداية نهاية نظام “الجانفيريين” بدأت قبل نحو سنتين، واكتملت فصولها بإقالة الفريق توفيق في سبتمبر المنصرم.
المحامي والقانوني إبراهيم بهلولي
ما صدر عن نزار وتوفيق مساس بالقضاء وتقليل من شأنه
أي قراءة قانونية تقدمونها لرسالة الفريق توفيق وخالد نزار بشأن قضية الجنرال حسان؟
وفقا للتفسير القانوني وما ينص عليه التشريع الجزائري، فرسالة كل من الفريق توفيق والجنرال خالد نزار في قضية حسان، باحتوائها على عبارات تقلل من السلطة القضائية وتقول بأن “العدالة غير موجودة”، فهذا تقليل من شأن أحكام صادرة باسم الشعب، وحتى ولو كانت الأحكام قاسية فلا يحق لأي شخص مهما كان منصبه أن يصف الحكم بأنه “جريمة”، والقول بذلك في قضية حسان، يعني أن كل من الفريق توفيق والجنرال نزار طعنا في مصداقية القضاء بتجريم الحكم، وحتى لو أرادا من خلال رسالتهما الإدلاء برأيهما في وقائع ما، فلا يحق لهما السب والقذف، لأن الجنرال حسان الذي حكمت عليه المحكمة العسكرية، خول له المشرع الجزائري آجالا للطعن، والحكم ليس نهائيا بعد في حقه.
هل تعتبرونها خروجا عن واجب التحفظ المهني بالنسبة لتوفيق؟
لا يمكن اعتبار رسالة توفيق خروجا عن واجب التحفظ، لأن هذا الأخير لم يكن ممارسا لمهامه على رأس الهيئة العسكرية لما أدلى بتصريحاته بخصوص قضية الجنرال حسان، فالرسالة لا تتعلق بواجب التحفظ، بقدر ما لها علاقة بالظرف الزماني الذي جاءت فيه والعبارات التي تحملها، والتي تمس بالجهاز القضائي.
ألا يحق لهؤلاء الكلام من موقع المسؤولية التي تقلدوها؟
جميع المواطنين متساوين في حرية التعبير ولا فرق بين شخص وآخر أمام القانون، سواء عسكري أو مدني، ومن منطلق المنصب الذي كان فيه الفريق توفيق كان عليه التفكير مليا قبل التوجه للرأي العام والإدلاء بشهادته بهذه الطريقة، وحرية التعبير لا يجب أن تضر الوطن وتساهم في زرع الفتنة.
لكن البعض يعتبرها شهادة لتنوير القضاء بمجريات القضية؟
من وجهة نظري، من يريد تنوير العدالة، كان عليه اتباع السبل القانونية والإجراءات المتعارف عليها، وهذا من خلال الإدلاء بشهادته أثناء المحاكمة، وما كان من الفريق توفيق سوى التقدم بطلب قانوني وفقا للإجراءات لسماعه كشاهد في قضية الجنرال حسان لتقديم شهادته في الوقائع التي يعرفها، أما ما بعد إصدار الحكم فما الخدمة التي قدمها توفيق لحسان ماعدا إثارة زوبعة أكثر حول القضية.
هذه الرسالة مع تصريح خالد نزار السابق، ألا يعتبر تقليلا من شأن القضاء؟
المادة 147 في القانون الجزائري صريحة وواضحة، وكل تعليق على حكم قضائي أو كلام يتضمن الطعن في قرارات العدالة والغرض منها التشكيك في استقلالية القضاء، تعتبر تقليلا من شأن الأحكام القضائية، وما قام به كل من نزار وتوفيقهو مساس بالقضاء ومصداقيته وتقليل من الأحكام القضائية، خاصة أن الحكم ليس نهائيا، والقضية هي أمام المحكمة العليا وممكن جدا أن يلغى الحكم من جديد ويحصل حسان على البراءة ، ولذا فطالما أن الحكم ليس نهائيا لا يحق لأي شخص التجريح في العدالة.
هل تعتقد أنها محاولات للتأثير على مجرى القضية في العدالة؟
في القانون لا يمكن لأي رسائل أو كتابات في وسائل الإعلام أن تؤثر على القاضي، لأنه لا يعتد بما يكتب من رسائل خارج الملف القضائي أثناء المحاكمة، وكان من المفروض على توفيق أن يقدم شهادته قبل المحاكمة وفقا للإجراءات المعمول بها، أما فيماعدا ذلك فقد زادت القضية تعقيدا ولم تخدمها بتاتا.
المحامي ورجل القانون عمار خبابة
نزار وتوفيق لم يخطئا وقضية حسان سياسية
كيف تقرأ التراشق الإعلامي والسياسي المتعلق بقضية سجن الجنرال حسان؟
الجدل القائم ما بعد المحاكمة من وجهة نظري مرده للسجال والخلافات في وجهات النظر والصراعات السياسية التي سبقت المحاكمة، ويمكن القول إن هذه النزاعات تعود إلى العهدة الرابعة، والتي قيل عنها الكثير.. إنها إحدى تجليات الصراع بين أجنحة السلطة وجهاز المخابرات “الدياراس” وخاصة بعدما تمخضت عنها إعادة هيكلة لهذا الجهاز، والتي أثارت جدلا، بعدما اعتبرها الكثيرون محاولة لضرب الجهاز، وهو ما جعل متابعة الجنرال حسان أمام المحكمة العسكرية وإدانته باعتباره أحد أعمدة هذا الجهاز الاستخباراتي، تقابل بهذا السجال الواسع، وهي المعطيات التي جعلت الفريق توفيق يخرج عن صمته مدافعا عن أحد رجالاته .
برأيكم هل القضية قانونية أم سياسية؟
شخصيا، لم أطلع على الملف وسأجيب على السؤال من خلال ما استنبطته من تصريحات دفاعه، وبناء على الجدل الذي طبع القضية، يمكن القول إنها تكتسي صبغة سياسية باعتبارها جاءت متزامنة مع إعادة هيكلة جهاز ” الدياراس”، أما الجانب القانوني فيبقى مرتبطا بالملف والتهم المتابع بها أمام المحكمة العسكرية والتي لا يمكنني الحديث عنها لأن الجلسة كانت سرية، ولا يمكن معرفة خباياها.
كمحامٍ كيف تفسرون ما صدر عن الجنرال المتقاعد خالد نزار، وكذا الفريق توفيق بخصوص الحكم الصادر بحق حسان، هل ترون أنه تقليل من شأن الأحكام القضائية أم مجرد تعبير عن رأي؟
باعتقادي أن ما صدر عن الفريق توفيق، هي رسالة رجل كان مستعدا للإدلاء بشهادته أمام المحكمة العسكرية، وعندما لم يستدع أمام العدالة، قرر أن ينشرها للرأي العام، وهذا لأن الجنرال حسان كان يشتغل بأمره وتحت مراقبته في كل الأعمال التي قام بها، ما يجعل ما صدر عن توفيق مجرد تبرئة ذمة، ولا وجود لأي تقليل من شأن العدالة في رسالته، ولست هنا مدافعا عن الجنرال توفيق لكن هي حقيقة قانونية، وشهادته لا تكتسي أي تقليل من شأن العدالة، وبحكم منصبه هو واع بكل الظروف، خاصة أنه لم ينشر الرسالة أثناء التحقيق حتى لا يؤثر على مجريات التحقيق، ولا قبل صدور الحكم حتى لا يؤثر على القاضي.
أما بالنسبة لكلام الجنرال نزار وتعبيره عن رأيه بالقول “الحكم جريمة” فهذا عادي ونحن كمحامين عادة ما نعلق على الأحكام ونصفها بأنها قاسية، وبرأيي لا يجب أن نرى الموضوع من خلال الكلمات والمفردات، لأن الملف الحقيقي لا نعلمه، وربما الجنرال نزار من منطلق مسؤولياته التي كان يتقلدها قال إن الحكم جريمة، ورأى أن الأفعال المتابع بها الجنرال حسان لا تعدو كونها أفعال يعاقب عليها القانون الداخلي للمؤسسة العسكرية ولا ترقى للوصول للقضاء العسكري ووصفها بالطابع الجزائي، غير أنه وجب التنويه بأن مخالفة التعليمات العسكرية العامة والخاصة المذكورة في المادة 364 هي تهمة يعاقب عليها بموجب قانون القضاء العسكري ، وليست مخالفة تدخل في إطار قانون نظام خدمة الجيش، وهو أمر يعلمه الجنرال نزار جيدا.
هل التعليق على الأحكام القضائية يعاقب عليه القانون ؟
يجب التنويه في هذا المقام بأن هناك فرقا بين التعليق على الأحكام والتقليل من الأحكام القضائية، فالأولى هي مادة تدرس في مادة الحقوق ويتم التعليق على الأحكام وتنشر في مجلات قضائية، وبعد صدور الحكم في القضية يحق التعليق عليه، أما ما يمنع هو الكلام أثناء سير التحقيق، وما يعاقب عليه القانون هو التقليل من شأن الأحكام القضائية والذي يأتي في باب الإهانة وتضبطه أحكام المادة 147 من قانون العقوبات، ويخص إهانة القضاء لما يصدر حكم باسم الشعب، ويمس الشخص بكرامة القضاة أو استقلالية العدالة أو يقلل من الحكم بوصفه أنه ” جائر”، وتبقى هذه التهمة نسبية وتخضع لتقدير القاضي، أما ماعدا ذلك فكثيرا ما ترانا نحن المحامين نصف الحكم بغير العادل وغيرها من الألفاظ والتي نبني عليها دفاعنا وحتى مذكرات الطعن بالنقض.
هل هناك استثناءات في القضية بمعنى هل يجوز للبعض بحكم مسؤولياتهم السابقة “نزار وتوفيق” التعليق على أحكام العدالة ؟
لا يوجد استثناء أمام العدالة فيما يخص التقليل من شأن الأحكام القضائية، والاستثناء الوحيد يكمن في الإدلاء برأي حول واقعة معروفة لدى الشخص مثلما حصل مع الجنرال نزار بحكم مسؤولياته السابقة كوزير للدفاع أو مع الفريق توفيق لأنه كان مسؤولا على جهاز الاستخبارات الذي اشتغل فيه حسان، فهنا كلامه ينبع فقط من منطلق معرفته للقضية.

