رفع الإنتاج النفطي لا يحلّ الأزمة و”سوناطراك” ليست مشكلة الجزائر
يقلّل المدير العام الأسبق لشركة سوناطراك، عبد المجيد عطار، من قيمة وجدوى التوجه إلى رفع إنتاج النفط، كأحد الحلول المنتهجة لمواجهة أزمة تراجع الأسعار، حيث يعتقد أن ذلك غير ممكن، لما يتطلبه من إمكانات ليست في متناول المؤسسة الوطنية، أو استثمارات مكلّفة لا تتحمّلها النفقات العمومية في الظروف القائمة، بل هو خطوة من دون فائدة كبيرة، بالنظر إلى تراجع مداخيل البترول إلى النصف، معتبرا إياه قرارا بسيكولوجيا للتحفيز ليس إلّا، لكنه لا يخفي قلقه الكبير، من أن يتوجه تفكير الحكومة نحو استنزاف استرجاع الاحتياطات.
وفي حوار لجريدة “الشروق”، يرفض وزير الريّ السابق اختصار أزمة البلد واقتصاده في مشاكل شركة سوناطراك، داعيا بهذا الخصوص إلى تركها تعمل وفق أهدافها ومهامها القاعدية، فهي برأيه قادرة على تدارك أخطائها وفضائحها، ويشدّد المستشار الدولي في ميدان الطاقة على بناء اقتصاد مستقل عن المحروقات ضمن القطاعات المفتاحية، مؤكدا على تحرير الأسعار بشكل تدريجي، شرط أن تطبّق الحكومة سياسة التقشف على نفسها، قبل أن تطلب من المواطنين تفهّم قراراتها بخصوص مواجهة الأزمة المالية.
تعرف أسعار النفط هذه الأيام تحسنا طفيفا، إلى أي مدى يمكن أن تستمر وترتفع أكثر؟
وفق مختلف التحاليل والتقارير الصادرة عن بعض المنظمات العالمية للطاقة، فإنّ الأمر ببساطة يتعلق بردود فعل ظرفية للسوق، وكذا بعض المضاربات التي عرفها، لكنّ المهم ليس في ارتفاع أو انخفاض بعض الدولار، بل العبرة بالمنحى العام، وهو غير وارد حاليا في نظري، وكدليل على ذلك، الاجتماع الأخير لمنظمة “الأوبيك” مع باقي المنتجين من خارج الهيئة، والذي لم يفض إلىأي نتيجة، هذا يعني أن مستوى الأسعار الحالي يتجه نحو الاستقرار الدائم، هناك أمل في اللقاء القادم للمنظمة، مع أنّي أشكّ في أنه قد يتمخض عن نتائج جديدة، لأن المنظمة لم تعد تسيطر على العوامل الفعلية المؤثرة في السوق.
الوزير الأول، عبد المالك سلال، أمر برفع إنتاج المحروقات مع نهاية السنة الجارية بمعدل 5 بالمائة، هل ترى ذلك ممكنا في ظلّ تراجع أكبر الحقول النفطية؟
من المهم أن نعلم، إن كان حقيقة يجب فعل ذلك، وكيف وبأي تكلفة؟، في الظرف الجزائري، وبالنظر إلى حالة الحقول وهياكل الإنتاج الموجودة لا يمكننا أن نرفع نسبة الإنتاج إلا بطرق:
أولا: على المدى المستعجل: حيث يجب إعادة النظر في تنظيم أجهزة الاستخراج على مستوى الحقول الكبرى، بإزالة بعض نقاط الاختناق (والتقنيون يعلمون جيدا ماذا أقصد)، وهذا غير ممكن إلا في الحقول التي تقع تحت سيطرة سوناطراك لوحدها، كما أنه لا يتطلب استثمارات سوى المجهودات البشرية التقنية، ولكنني أشك في إمكانية الوصول إلى مستوى 5 في المئة، من البديهي أنه ليس رفع الإنتاج هو ما يحسن بصفة ملحوظة أو ملموسة مداخيل التصدير، آمل أن لا يتعلق الأمر بفتح مضخات الإنتاج، لأنه سيكون ذو عواقب كارثية على مستوى الاحتياطات المتبقية للاسترجاع.
ثانيا: على مدى عام إلى عامين: بإمكاننا أن نرفع عدد الآبار المنتجة على مستوى الحقول، وهكذا سننتج أكثر، وهذا يعود بالفائدة على الجميع، خصوصا الشركاء الذين يمكّنهم ذلك من تحقيق أرباح أكبر، لكن هذا يتطلب وسائل تنقيب وخدمات بترولية غير متوفرة حاليا، كما أن الخاسر الأكبر سيكون الحقل نفسه، لتعريضه لانخفاض مستوى الاسترجاع، ثم ما يترتب عليه من حرمان للأجيال القادمة من حقوقها في ثروات الأرض، لذا أتمنى أن لا يكون هذا هو الحل الذي يفكرون فيه.
ثالثا: من 3 إلى 5 سنوات: بإمكاننا أن نرفع مستوى الإنتاج إذا استطعنا تعويض التأخر في تطوير بعض الحقول الصغيرة، وخاصة إذا كانت هناك اكتشافات هامة جديدة، هذا ما سنراه في الخمس سنوات القادمة.
كيف سترفع “سوناطراك” هذا الرهان مع الوضعية المالية الحالية للشركة، والتي لا تسمح بضخ استثمارات جديدة، في ظلّ عزوف الشركاء الأجانب؟
الإجراء الأول ممكن جدا تحقيقه بالإمكانيات الخاصة للشركة، والتي يتمتع مهندسوها بمهارات عالية، بشرط أن نطلق العنان لمبادراتهم وأن نتركهم يعملون بدون ضغوطات، الإجراء الثاني (وهو ما لا أنصح به)، أما الثالث فهو يتطلب استثمارات كبرى لا تحوزها سوناطراك في الوقت الحالي، ليبقى الحل في اللجوء لشراكة صعبة المنال، بسبب انخفاض أسعار البترول، إلا إذا أعيد النظر أو كيّفت التشريعات الجبائية الحالية (في تسيير الأعمال والبيروقراطية).
حتّى لو نجحت “سوناطراك” في رفع مردوديتها، ما فائدة ذلك مع استمرار فائض العرض في السوق الدولية حتى عام 2016، في مقابل تباطؤ وتيرة نمو الطلب، حسب التقارير العالمية؟
ولهذا قلت لك ما الفائدة من التفكير في رفع مستوى الإنتاج ما دام انخفاض العائدات البترولية قد بلغ 50 في المئة، قد يكون مجرد عامل بسيكولوجي تحفيزي، بالنظر إلى الأزمة الحالية، ومن وجهة نظري، هنالك حلول أحسن في بعض القطاعات الاقتصادية، ومنها إعادة النظر بصفة عاجلة في النمط الاستهلاكي، إذ وبالنظر لوتيرة الاستهلاك الطاقوية الوطنية في طبيعتها وفي حجمها، فإن رفع الإنتاج المرتقب غير كاف، وقد نضطر في السنوات القادمة لتخفيض صادراتنا لتغطية الطلب المحلي.
ما المطلوب من إدارة الشركة، على صعيد الهيكلة والأولويات، للتكيف مع أزمة النفط؟
رغم أخطائها ونقائصها الممكن تداركها، سيما ما تعلق بفضائحها وعدم الاستقرار الذي تعرفه هيكلتها، فإن سوناطراك ليست هي مشكلة البلد واقتصاده، بل هي الأداة الأساسية في توفير المداخيل منذ الاستقلال، ويحسن بنا أن نتركها تشتغل وفق أهدافها ومهامها القاعدية.
في حال استمرار تراجع سوق النفط، مثلما هو متوقع، هل ستكون الحكومة مضطرّة تدريجيا لتحرير أسعار الوقود؟
لا أظن أن هذا ممكن في الوقت الحالي ولا منصوح به، بسبب العادات الاستهلاكية، وأيضا انعكاساته السريعة على مستوى الأسعار، لكننا مضطرون للذهاب إليه اليوم أو غدا، ولعلّ ما يؤشر على هذا، هو رفع الضريبة على القيمة المضافة في الطاقة من 7 إلى 17 في المئة، ولكن هذا غير كافي، يجب الآن السعي ومحاولة تدارك التأخير والتأسيس بزيادة تدريجية، ترافقها إجراءات وآليات تخفف من آثارها على ذوي الدخل المحدود ومنتجي الثروة الكبار (سيما الفلاحين)، وهذا عمل خبراء الاقتصاد والمالية.
لكن بالمقابل، لماذا تفشل السياسة الطاقوية في بناء صناعة بتروكيماوية، تخلّص الجزائر من إعادة استيراد مشتقات النفط بالعملة الصعبة؟
يمكن الحديث فيما أرى عن ثلاثة أسباب بهذا الصدد:
أولا: غياب تجديد المنشآت المنجزة في السبعينات، وعدم مرافقتها بأنشطة تحويلية، تعزز من نسيج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الضرورية للأقطاب الموجودة.
ثانيا: التردد في الاستثمار بإمكانيات سوناطراك الخاصة، وذلك راجع أساسا إلى اللااستقرار الذي تعرفه سوق المحروقات، وما ترتب عنه من غياب نظرة طويلة المدى في القطاع.
ثالثا: التردد الذي عمّقه أو زاد من خطورته البيروقراطية المقيتة أو الرهيبة، كلما تعلق الأمر بمفاوضة شريك أجنبي، في قطاع يتطلب الإسراع في القرار والانجاز، ويحتاج ذهنية صناعية قادرة على خوض المخاطر.
بالموازاة مع تثمين الإنتاج النفطي، ما هي الحلول التي تملكها الحكومة لمواجهة شبح الأزمة المالية المرتقبة؟
نتحدث حاليا عن إيجاد وسائل وحلول تقاوم أزمة سببها انخفاض 50 بالمائة من مداخيل العملة الصعبة، في حين لا يمكننا أن نخفض بين عشية وضحاها من حاجيات البلد الاجتماعية، وبالتالي فنحن في حاجة وبصفة حاسمة لاستراتيجية شاملة، والعلاج المؤقت يقتضي تخفيض الواردات التي عرفت انخفاضا في 2015، وتأجيل بعض المشاريع العمومية التي لا تملك قيمة مضافة ذات طابع اجتماعي هام، إضافة إلى الرفع تدريجيا من الضريبة على المواد المدعمة (الطاقوية)، في مرحلة ثانية وعلى مدى متوسط، يجب التقليل من الاستهلاك ما أمكن، بما فيها تحرير الأسعار، وبالموازاة، يجب تخصيص استثمارات للتنمية، في اقتصاد مستقل عن المحروقات ضمن القطاعات المفتاحية (الفلاحة والصناعة والسياحة والخدمات)، قد تكون هذه أغنيات قديمة، لكنها لم تغنّ يوما.
هل أنت متفائل بقدرتها على تفادي “واقع الأزمة” الذي يسكن قلوب الجزائريين اليوم؟
أنا أتحدث وأتناقش مع كثير من المواطنين من مختلف الطبقات، وأختلف معهم فيما تعلق بمآلات ومخاطر الوضع الاقتصادي الحالي، يبدو لي أن قطاعا واسعا واع وقلق، وهي الفرصة المواتية أن نقدم لهم وبكل شفافية القرارات التي تفرض نفسها، لكن يجب أن نتحلى بالشجاعة والإرادة السياسية للمضي قدما في تحقيقها.
يتحدث الكثير من الاقتصاديين عن “خيار التقشف” كحلّ مؤقت لتجاوز الصدمة المالية، هل ترى ذلك صائبا، مع ما يشكله من انعكاسات سلبية على التنمية الاجتماعية؟
إن سياسات وبرامج التشقف تطبق في كل الدول كلما حلت بها الأزمات، وهي تتصل عموما بإجراءات مؤقتة، لوضع سياسات تنموية تأخذ بعين الاعتبار التكفل بالحاجيات الاجتماعية على المديين المتوسط والبعيد، وسواء تعلق الأمر بتنمية اقتصادية أو اجتماعية، يجب أن نكيّف في كل مرحلة قواعد اللعبة، بخصوص الآليات والتمويل والقطاعات (قطاع عام قطاع خاص شراكة) والأهداف.
كيف سيتقبل المواطن قرارات التقشف، إذا بقيت الحكومة سخيّة على نفسها ومسؤوليها؟
إنه لمن البديهي على أي كل حكومة أو مسؤول أراد أن يكون ذا مصداقية، أن يبدأ بنفسه في تطبيق قواعد اللعبة، في حين هنالك شرط أساسي: إذا أردت أن تقنع مواطنا في مقاسمتك المغامرة والمخاطر والإخفاق والنجاح، فعليك أن تشركه منذ بداية المسار.
من خلال التجارب التي عرفتها عديد الدول في وقت سابق، هل ترى أي علاقة بين السياسي والاقتصادي في مواجهة الأزمات العامة، وكيف تسقط ذلك على الجزائر في الظروف القائمة؟
في مجابهة الأزمات الكبرى، يجب أن يتعاون الاقتصادي والسياسي، ولا يمكن لأي منهما أن يقوم بالعمل منفردا، حتى ولو كان سياسي ذو تكوين تقني، هنالك الكثير من الخلط بين النوعين في الجزائر، وفي غالبية الأحيان للأسف، تتقدم خيارات السياسي على الاقتصادي.

