رمزي بوبشيش.. الأوراسي الذي درس الطب وسحره الأدب
يعد ابن وادي الماء بباتنة، رمزي بوبشيش، من الذين زاوجوا بين الطب والأدب، حيث وموازاة مع تميزه الدراسي الذي أهله لدراسة الطب في جامعة باتنة، فإنه في المقابل بدا مهتما بالحقل الإبداعي، خاصة في ظل تأثره بأشعار درويش وبلاغة البشير الإبراهيمي وأفكار مالك بن نبي.
يؤكد الطبيب الشاب رمزي بوبشيش لـ”الشروق” أن لقب الشاعر التصق به منذ الطور الابتدائي، حين التحق بالمدرسة تزامنا وبداية الانتفاضة الفلسطينية، وهنا بدأت موهبته الشعرية وارتجاله في قول كلام موزون وملحن، ما جعله محل اكتشاف زملائه وأهل حيه، حيث كتب عدة قصائد تتعلق بقضية فلسطين وبالطبيعة، في الوقت الذي كان لوفاة والده بعد نيله شهادة التعليم الابتدائي انعكاس سلبي على نفسه ويومياته الطفولية، لكن هذا لم يمنعه من الانغماس في الإبداع وولعه بالمطالعة، مواصلا كتابة القصائد في الطور المتوسط، متأثرا بأسلوب المدرسة الرومانسية، وكشعراء مثل درويش والشابي وإيليا أبي ماضي، كما كان يكتب الخواطر متأثرا بجبران خليل جبران.
والواضح أن اهتمام رمزي بوبشيش بالأدب لم يمنعنه من التفوق في الجانب العلمي، وكانت مادة العلوم من أحب المواد إليه، خصوصا ما تعلق بالعمل المخبري، فمزج حسب قوله بين الأدب والعلوم مناضلا في كلا الجانبين، حيث يقول لـ”الشروق”: “بين كل مطالعة ومطالعة زاد تطلعي على عوالم أدبية وفكرية وعلمية عديدة.. لأتوجه إلى فرع العلوم التجريبية في الثانوية، وتخليت عن الشعر قليلا منتقلا إلى عالم النثر، من ذلك الأدب الدعوي، متأثرا بالإمام الغزالي وكذا مدرسة الصنعة اللفظية بقيادة البشير الإبراهيمي، أما في الشعر فقد اخترت الكتابة بأسلوب أحمد مطر، من خلال قصائد بسيطة الكلمات لكنها شديدة المعنى وعمق الأثر”. أما بخصوص الطب فقد كان حلم رمزي بوبشيش منذ مرحلة الثانوية، محققا بذلك مضمون قصيدة الابتدائي “مدرستي الحبيبة أغدو بها طبيبا أو كاتبا أديبا”. وفي مرحلة الدراسة الجامعية، أقبل على الكتب العلمية الطبية موازاة مع قراءة الروايات وكتب الفكر الحضاري للمفكر مالك بن نبي، فاهتم بالتأليف بتشجيع من والدته وخاله المولع بالشعر.
مشروع رواية تجمع بين السردي الفرنسي والفلسفي الروسي
ويؤكد الطبيب الواعد رمزي بوبشيش لـ”الشروق” أنه شرع في كتابة رواية تجمع بين الأسلوب السردي الفرنسي والفلسفي الروسي، رواية تحمل ثنائية الاستعمار والاستقلال، مستلهمة حسب قوله من تراث منطقته الأوراسية الشاوية، على شاكلة ثقافة القبائل التي نجح مولود فرعون ومعمري في نقلها بعيدا عن السرد، منتقلا فيها حسب محدثنا إلى أسئلة فلسفية، متحدثا عن تجاربه مع اليتم وتجارب آخرين من أجداده وأمثاله ممن عاشوا اليتم، في عمل يجمع بين الواقعية والخيال.. من أجل رفع ما سماه بـ “صدى اليتيم”، أما في مجال الشعر فيقول: “أقوم حاليا بجمع مختلف قصائدي في ديوان، وسأضيف إليها قصائد جديدة عنونتها بـ “ميزا” وهو ما كان يلقبني به المرحوم والدي”. كما يفكر الطبيب رمزي بوبشيش في الالتحاق بكلية العلوم الإنسانية كبداية نحو التوسع في هذا المجال، والكتابة الأكاديمية بحثا وكتابة ونشرا في الفكر الحضاري، وهذا دون نسيان الجانب الطبي، حيث يقول في هذا الجانب: “لقد نشّطت عدة دروس وإرشادات طبية في المساجد، ما جعلني أفكر مستقبلا في تأليف كتب حول الثقافة الصحية التي أراها مغيبة في بلادنا مقارنة بالدول الغربية”.
الطب هو حياتي والطبيب الأديب هو الأكثر فهما لمرضاه
وفي ظل تعدد المواهب والميول التي تميز مسيرة ابن وادي الماء بباتنة، إلا أن رمزي بوشيش يظل وفيا ومتمسكا بالطب، حيث يقول لـ”الشروق”: “علاقتي مع الطب كالسمنة مع العسل، لقد اخترتها بإرادتي، ويتمي حفزني لاختيار الطب، فكما تعاطف الكثير معي إنسانيا، فإنني لن أجد ضالتي للتعبير عن إنسانيتي إلا من خلال الطب، فلطالما أردت هذه المهنة الإنسانية وأنا أعلم أن موهبتي لن تعيقني أبدا عن ممارستها”، مضيفا أن روح الإبداع الأدبي تماثلها روح الاستكشاف العلمية، معتبرا أن البحر في علم الإنسان جسديا ومشاعريا، ثنائية الجسد العاطفة وثنائية الطب الفلسفة ثنائية متكاملة، فوجدت راحتي– يقول رمزي بوبشيش- في الطب وخصوصا الاستثمار في الجانب الإنساني منه، لأن الطب حسب قوله تحول اليوم إلى مهنة دون روح إنسانية عند الكثير، وهذا ما يريد تغييره في هذا الجانب حسب محدثنا، خاصة في ظل تأثره بالفكر الحضاري الإنساني. وقال في هذا الجانب: “الطب هو حياتي والطبيب الأديب هو الأكثر فهما لمرضاه أكثر من غيره… لست أول من جمع بين الطب وغيره من العلوم، فقد سبقني الكثير من الأطباء إلى ذلك، وكان أكثر من تأثرت بهم أيضا الفيلسوف والطبيب المصري مصطفى محمود.. فنحن من تفسير أعراض المرض وتشخيصه للمرضى إلى تشخيص أعراض أمراض المجتمع ومحاولة علاجها، معتمدين في ذلك على المنهج العلمي الطبي، معبرين عنه بالأسلوب الأدبي والفلسفي”.
وفي ختام حديثه مع “الشروق” لم يخف الطبيب الشاب رمزي بوبشيش تأثره بمدرسة أدبية رومانسية واقعية، الطبيعة والإنسان هما بطلاها، ليشرح الإنسان من جانب المشاعر والوجدان، وبمدرسة فكرية حضارية إنسانية.. الإنسان الحضاري الفعال هو بطلها، وهذا استكمالا حسب قوله لمسيرة الأستاذ المفكر مالك بن نبي، وبمدرسة الدعوة الأدبية، مستغلا بذلك الطب والتواصل مع المرضى، متأثرا بالوطنية المحافظة، مؤمنا بشعار “الطبيب الأديب والفقيه”، وبـ “الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها”.