-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رهانات الشعوب المرهونة

عمار يزلي
  • 302
  • 0
رهانات الشعوب المرهونة

التحديات المستقبلية لنا على المستوى الوطني والإقليمي، هي تحدياتٌ عالمية في الواقع، وهي مرتبطة بالتغيرات التي تحدث كل يوم وبشكل مستمر وبشكل غير مألوف، إلا من حيث بعض السمات والبوادر العامة.

الجائحة التي هزت كيان العالم وكل أركانه اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، سرعان ما بدأت تتلاشى بعد عامين من الركود الاقتصادي والنكوص الاجتماعي، وما انجرّ عنه من تخريب للعلاقات الدولية والاجتماعية، وما نجم عنها لاحقا من تفاقم أزمات غذائية وصحية نفسية وانعكاسات على السلوك الفردي والجماعي، آثارٌ قد لا نعرف مداها إلا بعد مدة قد تطول أو تقصر، خاصة فيما يتعلق بصحة أطفالنا الذهنية والفكرية والنفسية.

ما كادت الجائحة تميل نحو النكوص التدريجي، والذي لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الوباء، وما إن تفاءل الجميع بالعودة إلى الحياة الطبيعية، حتى انفجر برميل البارود والنفط وحرب العقوبات الاقتصادية ردا على التوغل الروسي في أوكرانيا، وعاد الوضع يؤرق العالم أجمع، الكل يتوقع الأسوأ إن لم يسرع ساسة العالم الكبار إلى إخماد الحريق عوض صبّ الزيت على النار كما يُفعل حاليا.

التحديات والرهانات الوطنية غير منفصلة عما يحدث في العالم: إنه تغير سريع وخطير وغير متحكم فيه إن استمرّ العبث الدولي بصحة وأمن  العالم بدوافع شوفينية مركزية أنانية نفعية. الأمن الصحي لم يعد مؤمَّنا بعد نُذر الحرب في فضاء نووي وجرثومي لا تزال آثاره العينية والبيئية والصحية ماثلة في تشيرنوبل، قائمة قاتمة. التدافع نحو التسلح وتجارب سلاح الدمار الشامل بما فيها السلاح البيولوجي والكيميائي، والذي تقول روسيا إن أوكرانيا بمساعدة البنتاغون قد أنشأت ما لا يقلّ عن 30 مخبرا، دُمِّر نحو 13 منها بعضها تحت الأرض.. وبالوثائق المعروضة في مجلس الأمن من طرف ممثل روسيا الدائم. كما أن المحطات النووية في أوكرانيا لم تعد آمنة والقصف من حولها من الجانبين الروسي والأوكراني، وقد يكفي خطأ في التقدير من طرف مسلحي الجيش الأوكراني أو قذيفة روسية، لتفجير كارثة إنسانية تضاف إلى ما يحدث.

أوكرانيا التي تمثل سلة أوروبا من حيث احتلالها للمركز الخامس عالميا في إنتاج الحبوب بأنواعها المختلفة بعد روسيا وأمريكا وكندا وفرنسا، قد أوقفت تصدير الحبوب للضرورة الملحّة لحاجياتها المحلية المستقبلية. وفعلت ذلك روسيا مع الحبوب ومع دول الجوار، مما يعني أن الأمن الغذائي وخاصة بعض الدول العربية في المشرق والمغرب والدول الإفريقية بات مقلقا وغير مضمون على الأقل خلال سنة إلى سنة ونصف.

الجزائر، كعادتها كواحدة من أكبر مستوردي القمح عربيا وعالميا، سارعت إلى تلبية حاجاتها المحلية إلى غاية نهاية السنة بشراء نحو 700 ألف طن من القمح في مناقصة جديدة قبل ارتفاع الأسعار، وهي بذلك قد أمّنت خبز الجزائريين إلى حين، لكن تونس والمغرب ومصر التي كانت تستورد من أوكرانيا، لم يعد أمامها كثيرٌ من الخيارات اليوم إلا بأسعار قد تكون أعلى من سعر النفط والغاز. ارتفاع سعر النفط والغاز بالنسبة للجزائر كدولة مصدِّرة، ينبغي أن لا يعوَّل عليه كثيرا بسبب العقود الآجلة التي لا تتأثر كثيرا بارتفاع سعره، وهذا يعني أن تأمين الغذاء والإنتاج المحلي منه أولوية الأولويات، ليس عندنا فقط، بل في دول العالم العربي والإفريقي خاصة إفريقيا التي “بشَّرها” الرئيسُ الفرنسي بأيام صعبة خلال هذه السنة والسنة المقبلة، بل وتصوَّر سيناريو مرعبا لها: تقلبات أمنية وتهديدات للسِّلم الاجتماعي في إفريقيا، مشيرا بذلك ضمينا إلى الدول “المارقة” عن فرنسا، التي خرجت من تحت عباءته في دول الساحل.

إنها رهاناتُ الشعوب المرهونة، عالميا ومحليا وإقليميا الأكثر خطورة منذ الخمسينات.. شعوب ودول نامية مطالَبة هي اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحضير لها اقتصاديا بالدرجة الأولى والنأي بالنفس عن كل حلفٍ وتحالف دولي صار اليوم مطلبا غربيا: من لم يقف معي في وجه روسيا فهو خصمٌ لي، وقد تطاله العقوبات، سواء كان في أوروبا، أو أمريكا أو في آسيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!