الرأي

رياح الجنوب…. الصرصر العاتية

عبد الرزاق قسوم
  • 2775
  • 8

نريد عالِـماً سياسياً خبيراً بأرصاد الجو، وتقلبات عواصف الرمال والجبال والبحار.

ونريد فقيها اجتماعياً يغوصُ في مقاصد وغايات المجتمعات، وما يكتنفها من ألغاز وأسرار.

كما نريد مهندساً متعمقاً في جوف أرضنا، وما تتضمنه من مياه، وغازات صخرية، وما تجلبه للإنسان من خير أو أضرار.

نريد هؤلاء جميعاً، مجتمعين، ليكشفوا لنا هذا الحراك الذي يسود جنوبنا من غرداية إلى أدرار، ومن تقرت إلى بشار.

فهذه الرياح الصرصر العاتية التي تهب على جنوبنا، توشك لهولهاأن تعمى الأبصار، وأن تزعزع الديار، فتقتلع الأناسى والأشجار.

فليس من قبيل الصدفة، في زمن الربيع العربي الحارق، وفي عهد التحدي والتصدي الغربي، على مقدساتنا، وجالياتنا، وهوياتنا، في المغارب والمشارق، أن تثار زوابع الرمل، وحملات تشتيت الشمل، والعدوان إلى حد السحل والقتل.

لطالما لجأنا إلى اللغز والرمز، وإلى الإشارات والتنبيهات، أن حذار من عدم الاغترار بهدوء الجنوب، وصمته المريب،  فقديما قيل:

لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا          فالطير يرقص مذبوحاً من الألم.

وقيل أيضا:

إن الرياح إذا هبت عواصفها     فلن تصيب سوى العالي من الشجر

إن جنوبنا الجزائري، المحاصر من الساحل، ومن ليبيا، ومن جبل الشعانبي، يعاني شتى أنواع الضغوط، وتعثمل في باطنه مختلف أنواع المكونات، الجوفية، والصخرية، والفكرية، والإيديولوجية، والمذهبية، وها هو يلقي درسه على الجميع، فهل يحسن المعنيون، الإصغاء لهذا الدرس؟

لقد استهنا، بما حدث لغرداية، وقال بعض السذج منا، إنها مجرد شوشرة أطفال، أو هيجان شباب مارقين، فدفنّا أمواتنا في كل مرة، وضمدنا جراحنا، ولكن المأساة ظلت تتكرر إلى يوم الناس هذا. فهل سنواصل اتباع سياسة النعامة، فندك رؤوسنا في رمال غرداية، ونطأطئ للعاصفة حتى تمر؟

وجاءت أحداث تقرت، وور _لة، وحاسي مسعود الدموية، فلم نعرها الاهتمام المطلوب، وظلت تنخر كياننا، تأكل هضابنا، وتلوث ودياننا، إلى أن وصلت أقصى ديارنا، وها هي اليوم في أدرار، وعين صالح، وتمنراست، وبشار، والبقية تأتي لا قدر الله.

لقد تعددت الأسباب في كل مكان، ولكن الهدف المقصود واحد، إنه زعزعة الاستقرار، وزلزلة الأمصار، وزرع البلبلة، والفتن، وكل ألوان الفساد والدمار.

نعم إن البطالة، وأزمة السكن، إلى جانب التهميش والإقصاء، هي حقائق قد وقع استغلالها.

وإن تهديد السكان، بالغاز الصخري وإخضاع سكان الجنوب لتجربته كما فعل الاستعمار من قبل، بتجاربه النووية الملعونة، إن هذا التهديد قد أكده الراسخون في العلم، ويجب أن يحسب له كل حساب، غير أنه بالرغم من كل هذا، فإن الاحتقان، له طابع سياسي، ويجب أن نبحث عن حلول لرياح الجنوب وعواصفها، ضمن الحراك السياسي، فنشرك مناطق الجنوب في الاستفادة من خبراتها، وأن نحمل أبناء الجنوب، مسؤولية مصير الوطن، ومناطقه الزاخرة بالخيرات، حتى نفوت الفرص على المتربصين بوطننا وبجنوبنا، هؤلاء الصائدين في الغاز الصخري العكر، وفي الاختلاف الإيديولوجي أو المذهبي المضر.

إن العدو الذي طردناه بالأمس، من الباب الكبير، يوشك أن يعود اليوم من نوافذ التقصير، والفساد، والتبذير. كما أن الحرب التي طالت بسبب الحفاظ على صحرائنا الخصيبة والعجيبة، قد تتحول إلى مصيدة مريبة، تودي بمصالحنا البعيدة والقريبة

إن مشكلة الجنوب الجزائري، وما ينبعث منه من عواصف تحت أي غطاء، لا يمكن أن يكون حلها إقليميا أو محليا، وإنما يكون حلها مركزيا، بوضع سياسة التكامل الاقتصادي، والاكتفاء الذاتي، والتخطيط الاستراتيجي، التابع من واقع وطننا، والمستجيب لمصالح شعبنا، ولا أحد غير شعبنا.

إن  تحصين ذاتنا وحدودنا لا يمكن أن يكون إلا بالعدل، ووحدة الشمل، وذلك برص الصفوف، ووحدة الألوف، وحماية الحدود، تكون بإثبات الوجود، ولن يتحقق ذلك إلا إذا بنينا المواطن على أساس الثابت المفقود، والنموذج الوطني المنشود، والتضامن الإقليمي المحمود، بعيداً عن التمزيقيةالمنبوذة، تحت أي غطاء كان، فالوحدة الوطنية، في معتقدها، وفي لغتها، وفي حدودها، خط أحمر لا يجب المساس به أو الاستهانة به.

إن الحصار يشتد من حولنا، وإن الكماشة تضيق حول حدونا وثوابتنا، فليس المطلوب هو حماية ما بداخل حدودنا فقط، بل يجب التكفل بجاليتنا في الخارج، وهي النافذة التي قد تتخذ وسيلة للنيل منا أو التسلل إلينا.

حذار إذن، من عواصف الشمال، ومن رياح الجنوب الصرصر العاتية، فلنعمل لا على إطفائها فحسب، بل وعلى استئصال جذورها، حتى ينطفئ جمرها، وينتهيإلى الأبدأمرها.

 

اللهم إني قد بلغتفاشهدوا، فاشهدوا

مقالات ذات صلة