زكاة عاشوراء …الفتنة النائمة
تعود ذكرى عاشوراء هذا العام في ظروف خاصة، يميزها احتفال الجزائريين بالذكرى الستين لاندلاع ثورة نوفمبر، وجدل كبير في أموال الزكاة التي رفضت العديد من المساجد استقبالها، بعد ما تحولت صناديق الزكاة إلى “تهمة” حوكم بسببها 70 إماما، وتعرضت عشرات المساجد إلى السرقة، وفي ظاهرة غريبة ابتدعت الكثير من العائلات الجزائرية هذا العام عادات جديدة للاحتفال بعاشوراء على غرار تحليق الرؤوس وتوزيع الحلويات وذبح الأضاحي، وهذا ما وصفه أئمة بالعادات المحرمة لاقترانها بالشيعة.
أئمة تبرأوا منها ورفضوا استقبال زكاة المصلين
صناديق الزكاة تتحول إلى قنابل موقوتة في المساجد
رفضت العديد من المساجد استقبال أموال الزكاة هذا العام، بعد ما طالب عشرات الأئمة بإعفائهم من الإشراف على صناديق الزكاة التي تحولت حسبهم إلى شبهة، تسببت في محاكمة عشرات الأئمة، وعرضت الكثير من المساجد للسرقة، وما زاد من إصرار الأئمة على رفض جمع الزكاة، هو إلغاء وزارة الشؤون الدينية للقروض الحسنة التي خصص لها خلال السنوات الماضية أزيد من 100 مليار سنتيم، ما خلف غضبا كبيرا لدى المصلين وحتى المختصين وأئمة المساجد الذين اتهموا الوزارة بالتلاعب بزكاة الجزائريين.
وفي هذا الإطار، قال إمام المسجد الكبير علي عية أن المساجد لم تعد آمنة بسبب صناديق الزكاة، التي تحولت إلى هدف للصوص الذين اعتدوا على حرمة المسجد، وقال أيضا أن هذه الصناديق تحولت إلى “شبهة وتهمة” للإمام، ما يجعل الوزارة مضطرة على تقنين هذه الصناديق.
وما شجع الكثير من الأئمة المحسوبين على التيار السلفي رفض استقبال زكاة الجزائريين في المساجد، صدور فتوى للشيخ محمد علي فركوس، الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية بالعاصمة، الذي قال “أن إخراج المزكي زكاته بنفسه إلى مستحقيها، أمر محقق بنص الآية، وهي الآية القرآنية التي تحدد، أصناف مستحقي الزكاة الثمانية“، بخلاف صندوق الزكاة فإخراجه موهم، مضيفا في الفتوى التي تحمل رقم 388 عبر الموقع الرسمي للشيخ “فإنّ المحقق لا يُترك للموهَم“، كما تقرر في القواعد، ومن هنا يتبين أن إيداع الزكاة، سواء كانت الزكاة الموسمية السنوية، أم زكاة الفطر داخل الصناديق المتوفرة على مستوى المساجد لا يصح، بل هو أمر مشكوك فيه.
بعد فشل مشروع “صندوق الزكاة“
مسدور: أين ستذهب 3000 مليار من زكاة الجزائريين؟
انتقد الأستاذ فارس مسدور، أستاذ الاقتصاد بجامعة سعد دحلب بالبليدة ومنظر صندوق الزكاة في الجزائر، واقع تعاطي وزارة الشؤون الدينية من زكاة الجزائريين، بعد إلغاء القروض الحسنة وفشل المساجد في إقناع المواطنين بمنح زكاتهم بعد الشبهة والفتنة التي تسببت فيها صناديق الزكاة التي حولت المساجد إلى حلبة صراع والمقصد الأول للصوص والمنحرفين.
وقال المتحدث أن الجزائر فوتت على مواطنيها اعتماد أكبر مشروع لمحاربة الفقر باستغلال 3000 مليار من أموال المزكين، خاصة بعد رفض مقترحه لإنشاء ديوان وطني للزكاة على وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في ماي 2008 والذي يسهر على تطبيق قانون ينظم الزكاة في الجزائر جمعا وتوزيعا واستثمارا، حيث يرى الأستاذ مسدور أن إدارة نشاطات الزكاة لا ترتبط بموسم ولا بمناسبة دينية معينة، وإنما يجب أن يكون نشاطا يوميا يستدعي إدارة يومية،
وأوضح أن التنظيم الشعبي التطوعي يمكن أن ينفع في مرحلة أولى لإرساء مؤسسة زكاتية، لكنه مع مرور الوقت وتعاظم حجم النشاط الزكاتي يصبح من الضروري أن تنتقل الإدارة إلى تنظيم ثابت مستقل ينشط على مدار العام، وبشكل قانوني منظم يحدد المهام والمسؤوليات لكل واحد من التنظيم، مشيرا إلى دراسة علمية محققة أشرف عليها في الماجستير توصلت إلى أن زكاة الجزائريين وصلت سنويا إلى أكثر من ثلاثة آلاف مليار، وهي قادرة على القضاء على الفقر نهئيا، وانتقد مسدور إلغاء وزارة الشؤون الدينية للقروض الحسنة من صندوق الزكاة التي ساهمت في مكافحة البطالة بتوظيف 12 ألف شاب من خلال 6000 قرض منح في القترة الممتدة بين 2004 و2013.
جمال غول “لهذه الأسباب يرفض الأئمة صناديق الزكاة“
أكد رئيس المجلس الوطني المستقل للأئمة جمال غول أن صناديق الزكاة تحولت إلى هاجس ومضرة وفتنة لدى الكثير من الأئمة، الذين وجدوا أنفسهم في خانة الاتهام، وعرضت للاعتداء والسرقة، وقال أن عدد المجلس الذي يشرف على إدارته، طالب الوزارة في العديد من المناسبات إعفاء الأئمة من تسيير ومراقبة صناديق الزكاة، التي تحولت حسبه إلى شبهة ومصدر للمشاكل والصراعات في المساجد.
وقال المتحدث أن المصلين باتوا يتساءلون عن مصير الأموال الموضوعة في صناديق الزكاة بعد تجميد الوزارة للقروض الحسنة، التي كانت تخصص لها نسبة كبيرة من أموال المزكين، وانتقد المتحدث تعامل السلطات مع أموال الزكاة بعدم رفع الرسوم الضريبية على الشباب المستفيدين من مشاريع القروض الحسنة، واقتطاع بريد الجزائر لنسبة كبيرة من رسوم التحويلات المالية.
وأضاف جمال غول أن صناديق الزكاة باتت تسير بطريقة عشوائية وباتت تستقبل تبرعات المصلين التي تعتبرها الوزارة “زكاة“، وهي في حقيقة الأمر تبرعات، وطالب محدثنا برفع قيمة المنح التي تستفيد منها العائلات في اطار قروض الزكاة والمقدرة حاليا بـ5000 دج للعام، وهو أمر زهيد جدا حسب جمال غول الذي اقترح أن يتحول إلى منحة شهرية لا تقل عن مليون سنتيم.
قال أن 70 إماما يحاكمون بسببها
علي عية: صناديق الزكاة فيها شبهة..؟
دعا شيخ الزاوية العلمية لتحفيظ القرآن وإمام المسجد الكبير، الشيخ علي عية، في اتصال بـ“الشروق“، وزارة الشئون الدينية إلى إدخال إصلاحات على صندوق الزكاة ووضع قوانين خاصة تضبط الأموال الداخلة والخارجة من الصندوق، في ظل غياب قوانين خاصة تسيره على حد قول محدثنا والاعتماد على مذكرة من مديرية الإرشاد الديني، وصرح الشيخ عية أن هناك عدة أمور مشبوهة تحيط بصناديق الزكاة وهو ما قد يجعل المزكي لا تبرأ ذمته إذا دفع الزكاة للصندوق لعدم تحديد الوجهة التي تذهب إليها هذه الأموال.
وطالب إمام المسجد الكبير بإلغاء المرسوم الوزاري الساري المفعول منذ عدة سنوات والمتعلق بكيفية توزيع أموال الزكاة، لأن فيه شبهة، فالمولى عز وجل حدد ثماني فئات تصرف لهم الزكاة، وإن لم توجه إلى أي من هذه الأصناف الثمانية فهي معلقة ولم يؤد صاحبها زكاته وفقا لما أمره دينه، فصندوق الزكاة يجب أن يسير وفق قوانين وضوابط شرعية قحة مستخلصة من القرآن والسنة.
نسيم بوعافية: “المواطنون لا يثقون في صناديق الزكاة“
حذر إمام مسجد فرجيوة بولاية ميلة، الشيخ نسيم بوعافية، من بعض الظواهر المستجدة في الزكاة، حيث أصبح المزكون يرفضون وضع أموالهم في الصناديق ويفضلون منحها للفروع والأصول، كأبنائهم البالغين 18 سنة والذين لا يملكون وظيفة أو يتابعون دروسهم أو لبناتهم المتزوجات، وإن كان هذا جائز شرعا، إلا أن الشيخ بوعافية يرى الأجدر منحها للفقراء والمساكين والحالات الثماني التي ذكرت في القرآن. واستطرد الشيخ بوعافية أن هناك بعض المزكين يضعون طاولات أمام منازلهم أو دكاكينهم ويوزعون الأموال على الفقراء الذين يتجمعون للظفر بورقة نقدية، وهي منتشرة جدا في ولايات الشرق، فالأولى الإسرار حتى لا تخدش مشاعر وأحاسيس الفقراء.
زهوان: أموال الزكاة في الجزائر تسير في الظلام
حذر حسين زهوان، رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، من فتح مجال نهب أموال الجزائريين من طرف من سماهم بـ “رؤوس الوحشية الرأسمالية” عن طريق صندوق الزكاة الذي تعتمده وزارة الشؤون الدينية. وقال زهوان: القوة المالية الوحشية، وظاهرة نهب المال أصبحت لا تعترف بالقوانين التي تعتبر بعيدة عن آليات ضبط المخالفات والجرائم المرتكبة في حق المؤسسات المالية وصناديق الأموال الخيرية. واقترح أن توجه أموال الزكاة إلى جمعيات خيرية تمتلك قوة رقابية وشفافية في توزيع المال على مستحقيه. وقال رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان إن إلغاء القروض الحسنة خير دليل على تسيير هذه الأموال في الظلام.
قسنطيني: أموال الزكاة تجمع وتوزع خارج القانون
من جهته، أوضح فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، أن صندوق الزكاة لا يزال مشروعا شكليا ينشط خارج القانون، ما يعرضه للكثير من الخروقات التي ترتكب بعيدا عن رقابة رسمية واضحة، وقال إن اختلاس أموال الصندوق يجب أن تصبح جنحة مشددة العقوبة توفر لها كل الأساليب لضبطها. ويرى أن الحل الآن هو إشراك وكلاء الجمهورية عبر المحاكم الابتدائية للمناطق التي يكون فيها صندوق الزكاة، مع تولي قاض مهمة التحقيق قبل توزيع الأموال.