جواهر
أسست شبكة نسوية لجمع الأخبار وتوفير الدعم ونشر الوعي بشرشال

زليخة.. محافظة سياسية بصقت على وجه قائد فرنسي وهي مكبلة

الشروق أونلاين
  • 3400
  • 6
ح.م
لا لا زليخة رفقة ابنها الشهيد

هي أم وزوجة شهيدين، تعد من بين المحافظات السياسية والعسكرية الجزائريات القليلات بالثورة، كتب الله لها أن تستشهد وهي تخاطب جمعا من الناس وتحت إشراف العدو المستعمر الذي ظن أنه سيحبط من عزائم الناس بعرضها عليهم مصفدة بالحديد، وهي تعاني من التعذيب، إلا أنها استغلت الوضع ورفعت من أسهم الثورة الجزائرية ببصقها في وجه رائد عسكر فرنسا وحث الناس على المقاومة دون الخوف من الموت، لتنضم بذلك إلى قائمة جميلات الثورة.

ولدت الشهيدة يمينة شايب يوم 07 ماي من سنة 1911 بمدينة حجوط في ولاية تيبازة وتنقلت للعيش بمدينة شرشال بعد زواجها الثاني من الحاج أحمد عوداي، كانت تعرف بلالة زليخة وهي امرأة متعلمة تحصلت على شهادة التعليم المتوسط أنذاك وأم لخمسة أولاد، اختارتها قيادة الثورة بالمنطقة خليفة للقائد الشهيد بلقاسم عليوي بعد كشف نشاطه والتحاقه بالجبال، وللتعرف أكثر على الشهيدة التقينا بالمجاهدة آسيا بن مقدم أو كما يحلو لسكان مدينة شرشال أن ينادوها “سيداتي آسيا” كونها كانت معلمة وربت أجيالا كثيرة منذ ولوجها عالم التعليم سنة 1954 بكتاتيب جمعية العلماء المسلمين أنذاك، هذه البطلة كانت أحد العناصر النشيطة في شبكة لالة زليخة رفقة أختها وابنة عمها، أكدت لنا في حوار أجرته “الشروق” معها بعد أن استحضرت وقائع تاريخية أعطت الدعم للدور الفعال للمرأة الجزائرية بالثورة النوفمبرية رغم أنها تعدت 82 سنة من عمرها، كشفت لنا أن الشبكة كانت في درجة عالية من السرية من خلال اختيار نسوة من الأسر الثورية وانها تعرف فقط أختها وابنة عمها كجزء من الشبكة ولا يمكنها أن تعرف العناصر الأخرى حتى إذا سقطت في يد العدو وتحت وطأة التعذيب لن تكشف على كامل عناصر الشبكة.

من جهة أخرى، أدلت لنا “سيداتي آسيا” ببعض المواقف التي كانت تعرف بها لالة زليخة وأول اتفاق تم بينهن وهو أن لا يتزوجن حتى يظفرن بالاستقلال أو الاستشهاد، كما أشارت إلى أن لالة زليخة لم تكن امرأة عادية، بل كان لها بصمة في وسط المجتمع بالضبط مع النسوة ولها مساهمات مثل استقبال عائلات تقطن بالجبال المجاورة للمبيت من أجل قضاء حاجياتهم بالإضافة إلى توزيع الملابس والمواد الغذائية، وتشهد لها أنها لم تكن تخاف من العدو لاسيما أنها كانت وسط النساء في الحمام تتكلم عن الثورة ولا تخشى أن يتم الوشاية بها إلى درجة أنها واجهت محافظ شرطة بسبب ذلك وعبرت عن حبها لوطنها الجزائر وأن الأرض أرضها وليست ملكا لفرنسا.

وتكملة للبحث عن مميزات هذه الشخصية وبيئتها التي ترعرعت فيها، التقينا مع الكاتب الصحفي أمحمد هواورة، مؤلف كتاب “يمينة عوداي البطلة المنسية” وهو ابن مدينة شرشال معقبا في قوله أن لالة زليخة عاشت حياتها للوطن من خلال تقديم أبنها لحبيب وزوجها الحاج أحمد عوداي ونفسها شهداء ثمنا للاستقلال، ومن بين أهم ما ميز نضالها عندما تولت قيادة المحافظة السياسية والعسكرية تشكيلها لشبكة بطلاتها نسوة شابات لا تتعدى الكبيرة فيهن 25 سنة، مشيرا إلى شهادة المجاهد الضابط والمسئول السياسي بجيش التحرير الوطني “أحميمد أغبالو” الموجودة في الكتاب أن نهاية سنة 1956 تم اختيار لالة زليخة محافظة سياسية وعسكرية بمدينة شرشال، وأنه وجد صعوبة في اقتراح اسمها أولا لزوجها الشهيد الحاج أحمد عوداي الذي كان رد فعله مشهودا له عندما قال لسي حميمد أنه خائف من مصير أولاده إذا ما كان مصيرهما الاستشهاد معا، إلا أنه قبل خدمة للثورة وانصياعا لقرار قيادات الثورة دون تردد، والغريب في الأمر أن الحاج أحمد سقط في ميدان الشرف وأستشهد بعد ثلاثة أيام فقط من لقائه هذا.

ويضيف ذات المتحدث بناء على الشهادات التي تحصل عليها أن زليخة واصلت مهمتها دون أي تأثر وقامت بتأسيس شبكة النسوة وبدورهن قمن بتجنيد إخوتهن من الأطفال الذين لا يتعدون 12 سنة كمسبلين لجميع الخطط والتحركات التي كانت متمركزة بمدينة شرشال، ومن بين النسوة اللائي كن في شبكة لالة زليخة هن كل من عائشة حمداني ومن عائلة بن مقدم زبيدة وآسيا وزهية وكذلك خيرة نجاري أم سي أحميمد أغبالو وفاطمة بروان وعليوي خديجة وسعادة بلقاسم وابنتي لالة زليخة المتمثلتين في فاطمة الزهرة وخديجة بالإضافة إلى لالة البية وابنتها عزيزة، كن يقمن بتوفير المعلومات عن تحركات الجيش الاستعماري وكل ما يتعلق بالثورة ويجمعون الأموال والأدوية ويخيطون الألبسة للمجاهدين ويرسلونها مع مسبلين لإيصالها إلى الجبال.

وقد مرت لالة زليخة على تجربة قاسية زادت من قيمتها عند الناس وهي الهروب من المستعمر نحو الجبال وكانت تتخذ منزل عائلة ثورية متواجدة بقرية سيدي صالح ببلدية مناصر لقبها هندي، استشهد منها شخصان، الأول اسمه جلول والثاني عبد القادر، وفي هذه المرحلة سرد المجاهد محمد هندي في لقائه “الشروق” الذي تعدى 85 سنة من العمر وهو أخ للشهيدين وصاحب المنزل الذي نزلت فيه لالة زليخة وأكد أنها عاشت دورها كمحافظة سياسية وعسكرية بتجميع المجاهدين في مقرها أي بيتهم وعاشت كامرأة ريفية عليها واجبات قاسية كالحصد وأشغال البيت حتى لا تكون عبءا على العائلة وتكون تلك الحياة تمويها لها حتى لا تكشف من خلال اندماجها في العائلة كليا بعاداتهم ونوع لباسهم، رغم أن العائلة هيأت لها مكانا خاصا بها وظروف أيسر لاحترامهم لها ولشخصيتها التي أهدت كل ما تملك للثورة الجزائرية من نفس ونفيس وكان الخبر منتشرا لدى العامة كما كان الاستعمار مدركا أن شجاعة امرأة هي تشجيع ومحفز قوي للرجال لسلوك نفس الطريق لتحرير الوطن.

وفي يوم 15 أكتوبر من سنة 1957 جندت القوات المستدمرة إمكانيات وأعداد هائلة من عسكرها لمحاصرة لالة زليخة بمقرها وكان لهم ذلك، أين قام هؤلاء بحجزها وتعذيبها لمدة  10أيام ولم يتمكنوا من كشف ما أسسته من تنظيم وشبكات خنقت تواجد الفرنسيين، إلا أن القيادة الفرنسية ارتأت أن تنتزع منها خدمة إحباط العزائم وتكسير الهمم، خاصة وأن سند جيش التحرير هو الشعب الذي تقاسم معه الكسرة والماء، ولهذا الأخير قاموا بجرها مكبلة في عربة عسكرية وجمعوا الشعب دون علمهم لما تم جمعهم على مستوى الحدود المتاخمة بجبال بلديتي مناصر وشرشال، وألقى عليهم رائد في الجيش الفرنسي كلمة في قوله “هاهي المرأة التي تحدثتم عنها وصدقتم أنها تستطيع مواجهة الفرنسيين.. الثورة انتهت ولقد قضينا على كل أتباعها”، هنا نظرت لالة زليخة بشموخ في الناس وخطبت فيهم “يا أخوتي أنظروا كيف كبلت فرنسا امرأة رغم أني دون سلاح، لا تصدقوهم، الثورة لا تزال قائمة، واصلوا حتى النصر والاستقلال”، وبصقت على وجه الرائد في حركة منها لقلب الموازين والرفع من همم ومعنويات الشعب، هنا قام العسكر بتفريق الناس بعد خيبتهم وأخذت البطلة وقتلت بدم بارد واستشهدت يوم 25 اكتوبر سنة 1957 لتلتحق بالشهيدين ابنها لحبيب وزوجها الحاج أحمد.

مقالات ذات صلة