الرأي

زمن تقلبات الأزمنة

عمار يزلي
  • 63
  • 0

لم يشهد العالم تقلبا مناخيا وطبيعيا كما شهده منذ زمن الصناعة مع بداية نشأته قبل نحو ثلاثة قرون. غير أن التقلب المتباطئ في البداية، مع ظهور الآلة البخارية وجنوح التحول الصناعي بالتوازي مع التحول الزراعي، سرعان ما زاد من وتيرة سرعته وزيادة سرعة نمو الرأسمالية العالمية و”تطور” المجتمع الصناعي في أوروبا. تطور، بدا في البداية لصالح الإنسان، متماشيا مع تطور العلم والاكتشافات والاختراعات والابتكارات التي أدخِلت من أجل تطوير مقدرات الإنسان، سواء أكان ذلك في مجالي الفلاحة أو الصناعة بكل أنواعها. غير أنه مع التكاثر البشري، وتزايد أطماع الصناع بغاية تحقيق أرباح أوفر، ولو على حساب الطبيعة والإنسان، تحول هذا التطور إلى نزعة إخلال بالطبيعية وبالإنسان نفسه.

الانتقالُ المتوازي من المجتمع الفلاحي الرعوي التقليدي إلى المجتمع التقني الصناعي، عبر “مكننة” الزراعة وإدخال أساليب تقنية وتنظيمية في الزراعة، أحدث تطورا ونموا كبيرا في الإنتاج الزراعي رغبة في تلبية حاجة البشر المتكاثرين من جهة، المتناقصين من جهة أخرى جراء الحروب والأوبئة التي أتت على أعداد كبيرة من البشر، في أوروبا وغير أوروبا. غير أن نزعة الربح بلا حدود للرأسمالية والبرجوازية الناشئة، لم تُبق على التناغم الطبيعي بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، إذ كان عليها، لمصلحة الإنسان ظاهريا، ولمصالح شخصية باطنيا، أن ترفع من وتيرة التصنيع والمكننة. الهدف من ذلك هو تحييد الإنسان والعقل البشري واليد العاملة البشرية جزئيا وتدريجيا من عملية الإنتاج وتقليص حجم ردود فعل العمال في الإضراب والتغيُّب والتأخُّر والمطالبة بالتعويضات والزيادات. ما سمي “الأتْمَتة” في بداية التصنيع بين القرنين الـ18والـ19، تحوَّل فيما بعد إلى “إيديولوجيا صناعية”، ودخلت الصناعة والآلة المجال الزراعي بقوة، ساهمت ليس في إراحة سواعد العمال والفلاحين والحرفيين، بل في تحييدهم وإحالتهم على البطالة. عوَّضت الآلة الإنسان وهي التي أنتِجت من أجل خدمة الإنسان، لكن هذا الإنسان، اتضح فيما بعد أنه يقتصر على “أرباب الأعمال” الذي استفادوا بشكل رهيب من هذا التطور. الظاهر أن الرأسمالية التي رأى فيها الغرب في البداية “ثورة” على المجتمع التقليدي الزراعي والرعوي، بكل ما يؤطره من مؤسسات سياسية ودينية كنسية وعقائدية لما قبل الصناعة، قد استقبله السكان في البداية بالترحيب والتزكية ولو على مضض، وثاروا على نظام الإقطاع على مرض، خاصة في فرنسا بعد ثورة 1789م، قبل أن يكتشفوا حجم الأضرار التي ستلحق بالمجتمع والإنسان بشكل عامّ في العالم بأسره.

وها هو القرن الـ20 ثم الـ21، يشهد بداية نهاية هذا الحلم الذي طالما أشاد به منظرو الحقبة من فلاسفة وعلماء اجتماع واقتصاد، منذ آدم سميت ودركهايم وكونت. تحوَّل الحلم شيئا فشيئا إلى كابوس يرهق الجيوب ويستلب العقل البشري وفكره وقوة عمله.

اليوم، وعصر الصناعة في أوج تطوره المتمادي في التطور، ما لبث يتمادى في تخريب حق الإنسان في الحياة: تزايد الانبعاثات الحرارية، التلوث الطبيعي، تحوُّل التغذية إلى سموم جينية عبر المواد البلاستيكية والكيميائية التي تدخل في التصنيع والتعليب، طمعا في ربح بلا حدود. تدهور الصحة البشرية، الذي يقابله “تطور” في الطب والصيدلة، التي غالبا ما تكون مجالا تصنيعيا يستفيد من انتشار المرض إن لم يكن يتسبب هو في انتشاره والإصابة به: الداء ثم الدواء، والكل بهدف الربح الذي هو شعار الرأسمالية، فلا شيء يعلو فوقه ولا شيء يتجاوزه. الحروب في كل مكان، والغاية هو الاستفادة منها: إنه زمن تقلبات الأزمنة.

مقالات ذات صلة