“زواج الشيّـــــب ماشي عيب”
عندما يقرّر الرجل الزواج بعد وفاة زوجته، حتى وهو على مشارف التسعين، تخرج الكثير من الأصوات من “خنادقها”، مدافعة عن رغبته في السكن النفسي إلى زوجة تستكمل معه ما تبقى من “خطوات” قليلة في مشوار الحياة. غير أنه عندما تفكّر الأرملة أو المطلقة التي تقدّم بها العمر، وكبر أبناؤها في الارتباط برجل يسند ظهرها ويشدّ أزرها في الملمّات، تخرج الأصوات أيضا من “خنادقها”، ولكن كأنها “بنادق” و”رشّاشات”، مستنكرة هذا “الفعل المخل بالحياء”، الذي ينبغي إسكاته بـ”طلقات” مركزّة حتى “تحرِّم” هذه العجوز “المتصابية” التفكير في هذا الأمر. ولذلك يصنّف زواج المسنّات في مجتمعنا في خانة “العيب” و”الحرام”. ومع ذلك، هناك نساء على قلتهن تحدين هذه النظرة وركبن رؤوسهن وتزوجّن- ولهن أولاد- ولسان حالهن يقول: “زواج الشيّب ماشي عيب”.
“شعرتْ بالحرج من زواجها، ولكن..”
السيدة ربيعة، تعدّت عتبة السبعين، تقول عن أمها التي توفيت منذ خمس سنوات، إنها تزوجت من رجلين بعد وفاة والدها: الأول إبان الثورة التحريرية، والثاني في نهاية السبعينيات، حيث كانت هي متزوجة ولديها أطفال، ومع ذلك لم تمانع في زواج أمها، لأن سلطتها عليها كانت قوية، ولا تملك أن تعارضها في شيء حتى وإن كانت قد شعرت بالحرج أمام زوجها الذي لم يخفِ استغرابه وسخريته من الأمر، خاصة وأنّ أمها أصرّت إصرارا كبيرا على الزواج، ولم تلتفت إلى أحد، وهي التي تنتمي إلى بيئة ريفية تستهجن زواج المسنّات، بل تعتبره ضربا من ضروب الانحلال الأخلاقي.
من حقها أن تتزوج
أما “سعاد. ن”، وهي سيدة متزوجة وأمٌّ لثلاثة أطفال، فلم تجد حرجا في زواج أمها ذات الستين عاما من ابن عمها، بعد أن مضى على وفاة والدها عشر سنوات، حيث تقول: “ليس هناك ما يحرّم زواج المرأة المسنّة، وإذا كنا سنحسب حسابا للمجتمع فلا شك أننا سنتنازل عن أشياء كثيرة هي من حقنا”. وتضيف: “يكفي أن أمي تحمّلت مشقّة تربيتنا وتعليمنا أنا وإخوتي السبعة بعد وفاة والدي، ولم تتزوج ونحن صغار حتى تحمينا من تسلط زوج الأم. أما الآن وقد كبرنا فلا يمكن لزوجها أن يتعدى حدوده، لا سيّما وأن لدي إخوة ذكورا مازالوا يعيشون معها، وهم من يمثلون الحماية لها ولأخواتي البنات”.
حرية شخصية
وحول نفس الموضوع، تحدّثت لنا سهام، وهي صاحبة صالون حلاقة، عن خالة زوجها، التي تبلغ من العمر 60 سنة، بحنق شديد واستياء كبير حتى إنها رفضت هي وزوجها دعوتها لحضور “حفل” زفافها، الذي أقامته في بيت ابنها المتزوج الذي لم يجد “حرجاً في تزويجها” تقول سهام التي أضافت: “حتى ابنتها لم تمانع في زواجها، بل اعتبرت الأمر حرية شخصية ولا ينبغي لأحد أن يحشر أنفه فيها”. وتنقل سهام عن حماتها التي حضرت الزفاف أنّ أختها التي تزوجت برجل في السبعين وادّعت أنه في الستين لأنه قريب العائلة ويعرفون سنه جيدا، أنها ارتدت “تايور” جميلا، ولم تتنازل عن خاتم الزواج الذي ألبسها إياه زوجها أمام الحضور، وقد بدا سعيدا جدا، وبدت هي وكأنها فتاة تتزوج لأول مرة.
قانون المجتمع هو الأقوى
رغم أن الشرع لم يحرّم زواج المرأة المسنة إذا كانت راغبة في الزواج، وأنّ الطب النفسي ينصح به لوقايتها من الاضطرابات النفسية التي يتسبب فيها الفراغ القاتل الذي تعيشه بعد زواج أبنائها واهتمامهم بحياتهم بعيدا عنها، إلا أن نظرة المجتمع ما زالت تتحكم في الرغبات وتحركها في الاتجاه الذي يرضاه. فليس لألف داعية وطبيب نفساني أن ينتزعوا هذه النظرة ويحوِّلوها لصالح المرأة المسنّة الراغبة في الزواج، إلا إذا تزوجت دون موافقة المجتمع.