"الشروق" في ضيافة عائلات مختلطة على الحدود
زيجات ”جزائرية تونسية” زادتها ثورة الكرامة التحاما
انتقلت ”الشروق” نهار أمس إلى مدينة أم علي الحدودية التي لا تبعد عن مدينة تبسة إلا بسبعين كلم نهارا، حيث دم الشعبين يسري في الأبناء في صورة اجتماعية لا يوجد أرقى منها.
- كانت محطتنا الأولى حي 20 أوت، أين تقيم التونسية الحاجة سمونة زايري، التي استقبلتنا بحرارة شديدة توحي بأن الشعب التونسي محتاج إلى مساندة أخيه الجزائري في اللحظات الحاسمة.
- الجلسة كانت حميمية تارة وتضامنية تارة أخرى من خلال دموع الفرحة للحاجة سمونة زايري، وهي تسرد تفاصيل شعورها لحظة سقوط نظام بن علي مع شعورها بخوفها على أهلها هناك.
- الحاجة سمونة من مواليد مدينة القصرين بتونس، تزوجت جزائري من خلال التعارف والتزاور الذي كانت تشهده العائلات القاطنة على الحدود أثناء الاستعمار الفرنسي الذي لم يكن يقيّد وقتها حركة تنقل الأشخاص، وأثمر الزواج 3 بنات و3 ذكور، و31 حفيدا.
- الحاجة سمونة تقول أن علاقاتها مع أهلها بتونس متواصلة من خلال تبادل الزيارات، وعند محاولة “الشروق” معرفة شعورها حول الأحداث الدائرة ببلدها تونس انهمرت دموعها، وبعد لحظات بدأت تصف هذا الشعور بالقول أنها عايشت الثورة باهتمام كبير بالنظر إلى أن بلدها يتصف بالسلم والسلامة، خاصة خلال تناول وكالات الأنباء العالمية أعمال حرق السجون بالنظر إلى أن أخاها الأكبر بشير، 57 سنة، نزيل بسجن المرناقية إلى جانب ابن أخيها عمر، 38 سنة، القابع بسجن الكاف.
- قلق سمونة على أهلها لم يمنعها من قلقها على شعبها، هي تتابع كل كبيرة وصغيرة تتناولها وسائل الإعلام، مبدية فرحها بهذا التغيير الذي أطاح بالنظام المستبد والظالم للرئيس الفار بن علي.
- وعن آمالها وأمانيها تقول الحاجة سمونة أنها تأمل في عودة الأوضاع السياسية والاجتماعية ببلادها إلى سالف عهدها، متمنية لها الرقي والازدهار، خاصة وأن الحكومة الانتقالية المعلن عنها توحي أن تونس ستعود كما كانت بلاد الأمن والأمان، كما يحدوها التمني أيضا أن تولي الحكومة الجديدة اهتماما لمناطق الظل، خاصة الحدودية منها والتي تعيش ظروفا وأوضاعا اجتماعية مزرية كولاية سيدي بوزيد التي انطلقت منها الشرارة الأولى لهذه الثورة، وفي ظل الأحداث الغاضبة التي تمنعها من زيارة أهلها، تقول الحاجة سمونة لم يبق سوى الهاتف كوسيلة للاطمئنان على أهلها وأوضاع بلدها، مؤكدة قولها على مدى الفعل التضامني الذي أبداه نحوها إخوانها الجزائريون والذي يوحي ويؤكد أن الشعبين الجزائري والتونسي شعب واحد يتقاسم الأفراح والآلام على مر الأيام والسنين.
- المحطة الثانية قادتنا إلى منطقة القرقارة، التي تبعد عن أم علي بـ 2 كلم شمالا، أين تقطن الحاجة حربية برجي، 55 سنة، وهي أيضا متزوجة من جزائري بدا فخورا بها إلى أقصى درجة..
- حربية، المولودة بفريانة، لها ستة أولاد، 3 ذكور و3 إناث، أكبرهم رضا الذي يشتغل في الاستثمار الفلاحي، ولزهر الذي ينشط في التجارة، نفس الشعور الذي عاشته الحاجة سمونة كان يختلج في صدر حربية، ولأنها أمّية كانت تسأل أولادها الجزائريين والتونسيين في نفس الوقت عن آخر الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام.
- وزاد من قلق السيدة حربية أثناء الحديث عن حرق السجون، لأن ابن خالها برجي بغداش 42 سنة، المتواجد بسجن القصرين منذ 12 سنة، وزادت فرحتها لحظة سماعها أن الجيش التونسي قد أخلى سبيل المساجين خوفا على حياتهم، مؤكدة على أنها تفاعلت مع الأحداث كبقية التوانسة المتواجدين بأم علي، متمنية أن يصاحب شروق شمس الحرية الجديد عمل أبناء تونس على الرقي ببلدهم.
- وقبل مغادرتنا بلدية أم علي أكدت مصادر متطابقة عن عملية تضامنية واسعة النطاق يقوم بها سكان المنطقة لصالح إخوانهم التونسيين، عبر جمع المؤن والألبسة لهم.
- يزاول معظمهم الدراسة في كليات الطب
- الطلبة التونسيون يتلقون دعما كبيرا من زملائهم الجزائريين
- * أساتذة الجامعة سمحوا للتونسيين بالغياب استثناء لزيارة أهاليهم
- ناصر
- لم يعد عدد الطلبة الجامعيين التونسيين كما كان في منتصف الثمانينيات عندما أعلنوها موضة تونسية جديدة فتواجدوا بالآلاف في مختلف الجامعات والمراكز الجامعية الكبرى إلى درجة أنهم غزوا كل الكليات الجزائرية، حيث فاق عددهم عام 1985 الخمسة آلاف طالب جامعي.
- أهم ما كان ما يستهوي الطلبة التونسيين للدراسة في الجزائر الشُعب العلمية والمعاهد الطبية بوجه خاص، كما أن التواجد الطلابي التونسي في الجزائر لم يكن مقتصرا على الطلبة متوسطي الحال فقط، بل تعداه إلى أبناء الشخصيات النافذة والأغنياء الذين يقومون بكراء الفيلات والشقق المفروشة في المدن الجامعية الجزائرية الكبرى، وهو ما يفسر أن معظم الطلبة التونسيين كانوا يمتلكون سيارات يستعملونها في تنقلاتهم.
- لكن الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي عصفت بهذه الأرقام فتراجعت بشكل لافت، كما أن تراجع مستوى التعليم الجامعي بالجزائر في السنوات الأخيرة ومشاكل الخدمات الجامعية وطوابير المطاعم الجامعية جعل عدد الطلبة يتناقص، أما من بقي منهم فمعظمهم من الجنس اللطيف، وتنتمي غالبيتهم إلى كليات الطب التي مازالت محافظة على مستواها وعلى التواجد القوي للطلبة الأجانب بها من مغاربيين وأفارقة وحتى لبنانيين.
- “الشروق” تحدثت مع مجموعة من الطالبات بقسم الطب فأكدن جميعا أن ما تلقينه من دعم معنوي ودفء اجتماعي بعد المحنة التي مررن بها حرّك فيهن مزيدا من الحب للجزائريين وقلن أن الدعوات لزيارة البيوت واستعداد العائلات لاستقبال عائلاتهن فاق التصور.
- ومن الصور الجميلة التي ساقتها جميلة، وهي طالبة في السنة الثالثة طب، تلقيها عرضا مفتوحا وغير محدود في الزمان من عائلة جزائرية ميسورة الحال، اقترحت عليها وعلى أفراد أسرتها أن يأتوا إلى الجزائر للإقامة هنا إلى أن تعود تونس كما عهدناها آمنة سالمة من أي شر.
- وقالت أخرى أنها وجدت أخوات وإخوة تقاسموا معها القلق الذي اعتصر التونسيين الموجودين خارج البلاد، فمرت الأيام العصيبة بردا وسلاما عليهم جميعا.
- ولاحظنا أن عمال الإقامات الجامعية المختلفة قدموا وقفتهم المعنوية المطلوبة مع الطلبة التونسيين والطالبات، وتفهم أساتذة الجامعة من مختلف الكليات الوضع النفسي للطلبة التونسيين فكانوا على استعداد لأجل تأجيل بعض الامتحانات والسماح لمن أراد زيارة أهله عاجلا، خاصة بعد أن هدأ الوضع وقرر الكثيرون العودة إلى تونس لمدة يومين أو ثلاثة للاطمئنان على أهاليهم وأيضا على أوضاع بلدهم تونس..
- الرائع في هذه الصور النادرة، كما قال عادل، أن الأسرة الجامعية لم تكن وحدها السباقة لتقديم التسهيلات والوقوف إلى جانب الأشقاء التونسيين، بل إن المجتمع الجزائري بأكمله كان كالبنيان المرصوص، لا يشده الفضول فقط إلى السؤال عن أحوال تونس وأحوال العائلة الحاكمة وما عاناه التونسيون في الزمن البائد، وإنما تجاوزه إلى التحرك الإيجابي لأجل التخفيف من حالة القلق التي انتابت التونسيين الذين لم يسبق لهم وأن عاشوا أوضاعا متوترة مثل التي عرفتها بلادهم أخيرا.