الرأي

سابقة لجنون سباق

عمار يزلي
  • 68
  • 0

يشهد التنافس على تطوير ملكات الذكاء الاصطناعي، سابقة لا مثيل لها على مستوى كبريات الشركات المصنعة للذكاء الاصطناعي والمشغلة لبرامج بحثية لتطوير هذه النزعة تحو إدماج العقل البشري مع العقلي الآلي، بحثا عن دعامة اصطناعية لعقل طبيعي، بات بحاجة ماسة إلى فكر وحسابات أكثر تطورا، يعجز العقل العادي على القيام بها لوحده.

شركات التصنيع ومؤسسات البحث والتطوير لبرامج الذكاء الاصطناعي، لم تكتف بهذا، بل دخلت في منافسات وتسابق “تسلح” في هذا المجال بما يفضي إلى “حرب” تنافسية محمومة، باتت هي نفسها، لاسيما الكبيرة منها، تنذر بعواقب وخيمة في المستقبل القريب وليس حتى على المدى المتوسط أو البعيد.

شركات باتت تشغل الذكاء الاصطناعي في تطوير نسخ من نفسها بمعدل لا يقل عن 30% بما يعني أن العقل الاصطناعي بات يطور قدراته وذكائه بنفسه بمعزل عن إرادة البشر المصنّع الأساسي. الشركات المصنعة والباحثة، تحاول أن تخفف من خطورة الموقف وتؤكد أنه لا يزال الوضع تحت السيطرة البشرية بنحو 90%، وأن هذه النسبة لا تزال نسبة تسيير وتحكم في تقنيات البحث والتطوير للذكاء الاصطناعي على مستواها. غير أن هذا، وإن كان صحيحا تماما، فإن المنافسين والخبراء، يرون أنه بعد سنوات قليلة، هذه النسبة ستنخفض لصالح نسبة الذكاء الاصطناعي المطور بالذكاء الاصطناعي نفسه، حيث ستزداد قوة ونفوذا وسلطة، ولا يستبعدون أن تخرج مخرجات هذه الأدوات العاقلة عن سيطرة المصنّع البشري والعقل الطبيعي، بحثا عن “استقلالية القرار الآلي”، وهو ما ينذر بخطر سيطرة الروبوتات البشرية الآلية على البشر الطبيعيين الذين قد يتحولون إلى أدوات عوض أن يكونوا هم السادة والموجهون والمسيطرون والمتحكمون.

فلسفة الخضوع للآلة، فلسفة قديمة، نمت مع ظهور موجة “المكنكة” أو “الأتمتة”، مع ظهور وانتشار الآلة في بداية العصر الصناعي في الولايات المتحدة خاصة. انتشر الحديث وقتها حول احتمال هيمنة وسيطرة الروبوتات على الإنسان في المستقبل البعيد، وبدأ النقاش يحتد بين الصناع والفلاسفة الاجتماعيين والمفكرين، في خطورة هذا الوضع. مئات الأفلام الخيالية العلمية صورت ضمن هذا الهوس الوجودي، خلال القرن الـ20، لاسيما مع ظهور وانتشار الخوف من احتمال وقوع غزو فضائي لكوكبنا، ضمن ما بات يعرف بغزو الصحون الطائرة، وهذا منذ بداية القرن الـ21.

الشركات المصنعة والمطور لهذه البرامج، عادة ما كانت تمول مثل هذه المشاريع في مجال السنيما، وتهول من خطورة اجتياح الكوكب من هذه الكائنات المتطورة فكريا عقلا، وأنه لا مجال لنا لمواجهتها إلا “بالتسلح” العلمي وتطوير منظومة الذكاء والقدرات البشرية لمواجهة هذا التحدي. الشركات البحثية والإنتاجية ضمن حقول التسلح والصناعات العسكرية، بدأت مبكرا قبل ان تنقل إلى مجال الاقتصاد والاتصال وباقي مجالات الحياة مع رقمنة العالم وخلق عالم افتراضي معقد الروابط الاتصالية.

اليوم، التنافس يستمر أكثر من أي وقت مضى، والعودة إلى سيناريوهات بداية القرن الـ21، بات يرعب حتى المصنعين والباحثين وخبراء الذكاء الاصطناعي، على أساس أنه “كل ما زاد على حد انقلب إلى ضده”، وأن خطورة فقدان البشر على برامج التصنيع والبحث بعد جيل أو جيلين، وتحول منظومة البحث والتطوير نفسها إلى عملية آلية تلقائية ذاتية بواسطة الذكاء الاصطناعي، قد يوصلنا إلى نتائج عكسية: قد يصبح التسلح النووي سهلا وممكنا حتى من طرف القوى والعصابات والمجاميع “المارقة”، بل وقد يفقد العلم الأكاديمي نفسه فائدته، ولن تعود الجامعات مستقبلا ذات فائدة، ويصبح العلم والفكر حصريا بين حفنة من المنتجين الآليين.

مقالات ذات صلة