ساركوزي.. باي باي
لم تثر العواصف في وجه مرشح فرنسي للرئاسة بمثل ما إثيرت امام ساركوزي الرئيس الفرنسي المرشح لولاية ثانية.. فهو بدا كأنه رئيس لدولة من الدول التي تدور مع مزاج الحاكم المستبد.. فلقد اقترف من الموبقات السياسية ـ حسب المعايير الغربية والانسانية ـ ما يعتبر بحق وصمة عار في جبين ما يريد الفرنسيون ان يكون معروفا عن بلادهم من الشفافية والثقافة والحريات والانحياز للجانب الانساني.. بل إنه ذهب عميقا في إثارة المشكلات المعقدة في محيط المتوسط.. ولا يمكن فهم تصرفاته إلا على اعتبار انها تصفية حسابات مع الحضارة العربية الاسلامية، وانتقاما من التاريخ الاسلامي العظيم، تجلى ذلك في تمجيده للاستعمار، ومشروع تجريم من يتعرض للحركى ـ لتعاملهم مع الاستعمار ـ وحربه ضد الحرية في اختيار لباس المرأة بخصوص النقاب والحجاب، ووسع ساركوزي جبهة عدائه للأمة، بتبنيه مواقفا صادمة ضد الاتراك بخصوص ازمتهم التاريخية مع الارمن.. والفضيحة الكبرى التي اقترفها ساركوزي المتعلقة بتقبله الرشوة من العقيد القذافي، بتغطية حملته الانتخابية السابقة.. مما دفعه للقيام بتغطية فضيحته تلك، بان تزعم الحرب على ليبيا، وفعل بالليبيين ما لا يفعل. .وأشرف على قتل القذافي بتلك الطريقة البشعة.. وليس اقل منها فضيحة ما جرى للشاب الفرنسي من اصول جزائرية، محمد مراح، الذي لفقت له تهمة الارهاب والقتل، في مسرحية لا تخفى دلالتها، لكسب أصوات اليمين المتطرف ضد المهاجرين.
في المناظرة الأخيرة بينه ومنافسه اليساري، هولاند، ظهر ساركوزي كحاكم متخلف يستغل منصبه لتولية اصدقائه واقربائه مراكز حساسة في الاعلام والمجتمع، ويكون ساركوزي بعد حملته الانتخابية قد فَقدَ آخر فرصة له في السباق الرئاسي.
المهاجرون المغاربة والذين هم دائما عرضة للسياسات الفرنسية العنصرية، يقفون اليوم يودعون بلا دمع رجلا لم يكن ليفكر الا بمزيد المضايقات عليهم.. ولكن هذا لا يعني أن هناك تفهما منطقيا من النخبة السياسية الفرنسية، التي تقف خلف هولاند.. ذلك لأن المطلوب في حقيقة الامر تغيير جوهري في طريقة التعامل مع ملايين عدة في فرنسا، تقوم بخدمات جليلة للمجتمع الفرنسي، وفي الأعمال الشاقة، وهم بحاجة ملحة لأخذ حقوقهم الانسانية في محل الاهتمام، بدل أن يكونوا على هامش المجتمع الفرنسي، كما هو الحال في اطراف باريس، والتجمعات المهاجرة التي يضربها الجهل والمخدرات والتهميش.
أعرف أن هناك من سينبري للقول: ولم الحديث عن ساركوزي وهولاند فيما اوضاع بلدان العرب اسوأ حالا!؟ الإجابة سهلة تماما، ذلك أن اعتقادنا راسخ في أن النظام الغربي نظام عنصري داخل بلدانه وخارجها، ونحن نتوخى من أي تحليل نقوم به في هذا الإطار أن ينتبه العرب والمسلمون إلى حقيقة هذا النظام الغربي، وأنه ليس واحة في صحراء، أو أنه جنة عدن على الأرض.
ساركوزي باي باي.. غير مأسوف عليه.. ورغم أن الفروقات هامشية بينه ومنافسه، إلا أن زواله من المشهد السياسي الفرنسي، سيكون بلا شك متنفسا للمسحوقين ضروريا، وستظل أحوالنا بالخارج وفي الداخل تنتظر سياسات لبلداننا، تعيد الاعتبار لشعوبنا.