ساركوزي كتوجه ثقافي غير جديد
ظاهريا ونظريا يدرج تصريح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بتونس في خانة السياسة بمفهومها الضيق لكن الدارس والمتمعن في تاريخ وسياق وطبيعة خطابه السياسي لا يجد مبررا للصدمة التي أصابت الجزائريين حكاما ومحكومين، ومن بينهم أولئك الذين يدعون الانتساب إلى عالم الفكر والثقافة بوجه عام، التشكيكك الساركوزي في مستقبل الجزائر لم يكن موقفا سياسيا خالصا ويعد محصلة موضوعية لتوجه ثقافي عرف به صاحب قانون الإستعمار الإيجابي الذي لم ترد عليه الجزائر كما كانت تمليه تضحيات الشهداء لو كانت منسجمة فكريا بين اجنحتها المتصارعة خلافا لقبائل السياسيين والمثقفين الفرنسيين الذين نظروا واعتنقوا الفكر الساركوزي وعلى رأسهم العراب برنار هنري ليفي.
المليونير الأرستقراطي والتقدمي الاشتراكي في ذات الوقت الذي يدافع عن إسرائيل ظالمة وظالمة والداعية الإعلامي الحاضر في كل المناسبات هو المثقف الذي اعتز وأعلن في كتاب كامل عن مهاتفته الرئيس ساركوزي على جواله النقال في عز التدخل الفرنسي في ليبيا وهو وزير الثقافة الحقيقي على حد تعبير الممثل ديودونيه الذي منع بقرار منه على حد تعبيره لكاتب هذه السطور.
إن الذي يحلل كلمة ساركوزي في تونس يعرف أنها خرجت من صلب قلب وعقل وأحشاء ليفي باعتبارها تجسيدا لخطاب ثقافي يتقاسمه اليسار واليمين واليمين المتطرف ولو بطرق واساليب ملتوية وملفقة ترادف مكيافيلية صارخة، والمقارنة “الإنسانية “التي ذكرها ساركوزي متحدثا عن مسلمي البوسنة والشارع الليبي هي إحدى صور المكر السياسي والفكري الكاشفة عن تناقضات رهيبة حينما يتعلق الأمر بالمهاجرين المسلمين الذين اصبحوا يهددون صفاء الوجود الثقافي الفرنسي إلى درجة استدعت تأسيس وزارة الهوية الوطنية بتهليل من مثقفين كبار بتأثيرهم الإعلامي من أمثال ألان فينكلركروت وإريك زمور وباسكال بروكنير وإليزابيت ليفي .
حديث ساركوزي عن حتمية بعث الاتحاد من أجل المتوسط خبطة آخرى في صلب توجه فكري لهؤلاء المثقفين المدافعين عن إسرائيل والمطالبين في الآن نفسه بضرورة قبولها وإشراكها في تجسيد تحالف تنموي ينقذ الدول المغاربية والجزائر المكابرة من عنق الزجاجة. ساركوزي الشيطان الكبير عرف كيف يختار المكان والزمان والسياق مدعوما من مثقفين يتجاوزون خلافاتهم السياسية حينما يتعلق الأمر بمصلحة فرنسا الوطنية العليا ومن دفعوه منهم إلى خطاب تونس يدركون أن الجزائر تصارع العد التنازلي للشكارة النفطية ومجبرة على انتهاج بديل تنموي لوح به ساركوزي للشقيقتين الجارتين على مرأى ومسمع رموز تيار تونسي لا يتحرجون في تزكية الدعوة الساركوزية من أجل قطع الطريق على الإسلاميين الذين يعدون خطرا في كل الحالات مقارنة بإسرائيل التي تختبئ تحت رداء الإتحاد من أجل المتوسط. لقد رمى ساركوزي الكرة في جناح الجزائريين مثقفين وسياسيين ورد على هولند الذي أعجب ببوتفليقة ودخل الحملة الإنتخابية كمحترف للسياسة والفتنة الأشد من القتل.