الرأي

ساعة يُكرم فيها حزب فرنسا أو يُهان

حبيب راشدين
  • 4567
  • 4
ح. م

أمرٌ ما يظل محيِّرا في العلاقات الجزائرية الفرنسية ما لم تخضع سياسات البلدين لأسئلة وجيهة تدقق في العوامل الموضوعية التي تعمل لصالح تحسّن العلاقات أو لتَردِّيها مستقبلا بوتيرة أسرع، بما في ذلك العوامل التي لها علاقة بمصالح وميول من هم على رأس مؤسسات صناعة القرار في البلدين.

باستثناء الفترة التي تلت تأميم المحروقات، لم تشهد العلاقات بين البلدين ـ مع تقلّبها الموسمي ـ نظيراً لِما يطبعها اليوم من تردٍّ واضح، بلغ حد المجازفة بإهانة الوزير الأول لفرنسي للرئيس، ومن قبل إهانة بعض الوزراء في المطارات الفرنسية، مع تصاعد الموقف الفرنسي المنحاز إلى المغرب في ملف الصحراء الغربية…

بلغة المصالح، تعلم فرنسا أنها لم تعُد الشريك الاقتصادي الأول، إذ فقدت الصدارة في النشاط النفطي الصانع الأول للثروة، كما تراجعت هيمنتها على واردات الجزائر، وكانت قد فقدت أداة ليِّ الأذرع بعد نجاح الجزائر في تصفية ديونها الخارجية المملوكة لنادي باريس، ولا يُعقل أنها مرتاحة كثيرا لتطوّر وتحسّن العلاقات الجزائرية الأمريكية التي تتقاطع سرا في الساحل وفي غرب إفريقيا لغير صالح فرنسا.

 وبجملةٍ واحدة، تكون فرنسا قد فقدت معظم أدوات الضغط التقليدية باستثناء ما كان لها من نفوذ مموّه لا يقاوَم داخل مؤسسات الدولة عبر مناولة نشيطة لما يُسمى بـ”حزب فرنسا”، الذي تحوّل مع الزمن إلى دولة داخل الدولة، عبر شبكات رسمية وأهلية تبدأ مع صغار المناولين في الإعلام والثقافة، وحاملي البطاقة من المثقفين والكتَّاب، والمقاولين من الباطن داخل الإدارات المحلية والمركزية وفي المشهد السياسي، لم يسلم منها حتى جهاز سيادي أمني كبير مثل الـ”دي أر أس”.

وفي مكانٍ ما تكون فرنسا قد شعرت أنها ضُربت في مركز القيادة، وكأن الذي أراد أن يحرِّر السياسة الجزائرية من قبضة الأخطبوط ـ إن صدقت الفرضيةـ كان يعلم أن قصّ أذرع هذا الكيان هو محض مضيعةٍ للوقت، فاختار أن يضرب الرأس كما يفعل صيادو الأخطبوط، فظهر بعد حين أن توقيت استهداف رأس الـ”دي أر أس” يؤرِّخ لبداية استئصال عروق الورم، وأن حماقات الإليزي وماتنيون والكي دورسي قد تصاعدت تحديدا منذ بداية تفكيك “دولة دي أر أس”.

حتما لا يزال في المشهد بعض المظاهر الشاذة التي تكذِّب إلى حين فرضية بداية تحرير الدولة من هيمنة “حزب فرنسا” قد يكون أبرزها الحراك المحموم للفرنكوفيليين في المؤسَّسة التعليمية، وربما يريد أن يجعل من الدخول المدرسي القادم، وما تعِد به الوزيرة من بداية تنفيذ “الجيل الثاني من الإصلاحات” الواعد بفرْنسة المواد العلمية في التعليم الثانوي، أن يجعل منه فرصة لطمْأنة أحباب “الحزب” على أن الكيان باقٍ وسيتمدَّد في المؤسسة التي تُنتج حتما نخب البلد.

فلننتظر بقدرٍ من الصبر الدخول المدرسي القادم لنعلم: هل نحن بصدد بداية وقف تمدُّد الأخطبوط داخل أهمّ معقل له منذ نجاحه في تخريب المدرسة الأساسية؟ أم إن ما فقده الأخطبوط من مواقع في الاقتصاد والسياسة قد موّه ببراعة على مناورة تسليمه المؤسَّسة التي تصنع للمستعمِر القديم ألف “دفعة لاكوست” من أجيال الإستقلال؟

مقالات ذات صلة