-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
باريس تعرض مساعدات عسكرية على تشاد 

سباق جيوسياسي بين الجزائر وفرنسا في منطقة الساحل

محمد مسلم
  • 1070
  • 0
سباق جيوسياسي بين الجزائر وفرنسا في منطقة الساحل

تتجه الجزائر وفرنسا نحو ساحة مواجهة جيوسياسية جديدة في منطقة الساحل، بعد محاولات باريس العودة إلى المنطقة بعد ما أخرجت منها عبر النافذة، في غمرة انتفاضة سياسية ضد مستعمر الأمس، الذي حاول على مدار عقود ترسيخ نفوذه وسرقة ثروات شعوب المنطقة، في صيغة نيوكولونيالية سرعان ما انكشفت.

وبعد أقل من عامين على خروج آخر جنودها من دولة تشاد، تحاول فرنسا جاهدة استعادة موطئ قدم لها في هذا البلد الذي كان آخر معاقل وجودها في منطقة الساحل الإفريقي، غير أن هذه العودة تبدو مختلفة هذه المرة، بحكم الدور الجديد المسنود لها والمتمثل في التدريب والاستخبارات والتسليح والمراقبة الجوية، ولكن من دون إعادة القواعد الدائمة التي أغلقت خلال حملة مطاردة الوجود الفرنسي في المنطقة، قبل أزيد من سنتين من الآن.

محلل دبلوماسي: عودة فرنسا إلى المنطقة تبدو شبه مستحيلة

هذا التطور كشفت عنه صحيفة “لوموند” في مقال صدر الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، تحدثت من خلاله عن إحياء التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، عقب لقاء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع نظيره التشادي محمد إدريس ديبي، في العاصمة باريس في 13 أكتوبر الحالي، حيث وقع وزيرا دفاع البلدين “إعلان نوايا” لإعادة تنظيم التعاون الدفاعي في مجالات التدريب والخبرة والصناعات والتقنيات العسكرية، وتطوير قدرات الجيش التشادي.

وعلى غرار ما فعلته الجزائر مع دولة النيجر المجاورة لتشاد، في التاسع من أوت المنصرم، بمنحها 4 مروحيات وتجهيزات عسكرية في شكل هبة عسكرية، تبحث باريس أيضا تزويد جيش تشاد بمروحيتين وطائرة لنقل القوات، فيما أرسلت المديرية العامة للتسليح الفرنسية وفدا إلى عاصمة تشاد، نجامينا، لدراسة احتياجات الجيش التشادي، على ذمة الصحيفة الفرنسية ذاتها .

كما تجري مناقشات، وفق المصدر ذاته، بشأن إعادة طائرات استطلاع ومراقبة فرنسية إلى تشاد تم إجلاؤها في وقت سابق، في خطوة من شأنها أن تمنح باريس مجددا إمكانية العمل من مطار نجامينا، الذي يمثل موقعا استراتيجيا في وسط القارة الإفريقية، ليطوي البلدان مرحلة من سوء التفاهم لم تعمر طويلا.

وشهدت العلاقات الجزائرية التشادية حركية لافتة في الآونة الأخيرة، طبعتها زيارتين للرئيس التشادي، محمد ادريس ديبي إلى الجزائر في مدة لم تتجاوز السنة، كانت الأولى في سبتمبر 2025، أما الثانية فكانت في أفريل 2026، وتكللتا بالتوقيع على 28 اتفاقية، أبرزها هبة تمثلت في محطة كهرباء بطاقة 40 ميغاواط، وشارك الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب في وضع حجر أساسها رفقة نظيره التشادي خلال زيارته إلى نجامينا في 8 جوان 2026.

كما قدمت الجزائر مساعدات عسكرية ودعما للمساهمة في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، شملت منحا وعتادا عسكريا وتكوينا للقوات الخاصة، حيث تجاوزت قيمة المساعدات العسكرية الموجهة لدول الساحل (ومنها تشاد) أكثر من 100 مليون دولار في فترات سابقة. كما تربط البلدان اتفاقيات تعاون في إطار لجنة الأركان العملياتية المشتركة (CEMOC)  التي تضم الجزائر وتشاد ومالي والنيجر لمواجهة التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل.

وبشأن هذا التطور اللافت، يرى إطار دبلوماسي متقاعد تحدثت إليه “الشروق”، أن فرنسا تسعى جاهدة لاستعادة ما فقدته من نفوذ في منطقة الساحل، التي كانت تعتبر إلى وقت قريب منطقة نفوذي حيوي وحصري لفرنسا بحكم الاعتبارات التاريخية المعروفة، غير أنه قلّل من فرص نجاح هذه المحاولات في العودة إلى تكريس الوضع الذي سبق طرد الوجود الفرنسي في منطقة الساحل.

وقال معلقا: “لا أعتقد أن فرنسا ستتمكن من العودة إلى وضعها السابق في منطقة الساحل، طالما أن الكثير من الأمور تغيرت هناك، فهناك أنظمة قائمة لا تكن الود للمستعمر السابق في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فبوركينا فاسو قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع باريس، كما أن العلاقات مع النيجر تدهورت بشكل كبير بعد التغير الذي حصل على مستوى السلطة في النيجر في سنة 2023، والحال كذلك بالنسبة لمالي، التي جلبت قوات عسكرية روسية بعد طرد الجنود الفرنسيين”.

أما ما يحصل في تشاد، فالوضع مختلف، فالنظام القائم هناك لم يتغير، وهو امتداد لنظام الراحل دريس ديبي المغتال، الذي خلفه ابنه محمد دريس ديبي إتنو، ما يعني أنه لا يكنّ لباريس أي عداوة، وإن أقدم على طرد الوجود الفرنسي من البلاد في سنة 2024، تناغما مع ما قام به جيرانه في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ولا تزال فرنسا ينظر إليها في منطقة الساحل على أنها سبب المشاكل الأمنية والسياسية التي تعاني منها المنطقة، ففي الصائفة الأخيرة اتهمت السلطات النيجرية نظيرتها الفرنسية بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة في البلاد، أما في مالي فقد تكررت اتهامات السلطات الانتقالية في باماكو، لفرنسا بالتسبب في الأزمة الأمنية والسياسية التي تعيشها البلاد، ووصل الأمر حد اتهام باريس بتفريخ الإرهاب ورعايته في البلاد، من خلال العمليات العسكرية “برخان” و”تاكوبا” و”سابر”.

وانطلاقا مما سبق، يرى المحلل الدبلوماسي أن عودة فرنسا إلى المنطقة تبدو صعبة المنال في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، والمتمثلة في استبدال الوجود الفرنسي بالروسي، وكذا نجاح الجزائر في تصفير أزماتها مع دول المنطقة مؤخرا، ما من شأنه أن يجعل العودة الفرنسية رمزية فقط ولا تتعدى دولة تشاد فقط .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!