سبحات في ليل ليبيا الحالك
أما آن، لليل ليبيا الحالك، أن ينجلي بفجر صادق يبدد ظلامه؟ وأذان ناطق يوقظ نوامه؟ ورجل حاذق، يوحّد على الحق أقوامه؟
لقد طال هذا الليل الليبي، في هذا الشتاء الإقليمي العربي البارد، حتى ادلهمت في الظلمة جوانبه، وانتشرت في كل الآفاق أفاعيه وعقاربه، وانعكست على الأقارب والأباعد، مساوئه ومسالبه.
تالله إننا لفي محنة مما يحدث في ليبيا الشقيقة، من قتل الأخ لأخيه، وتربص المواطن بمواطنيه! فمن يقتل من في ليبيا؟ وعلام هم يتقاتلون؟ ومن أجل من يتقاتلون؟ أليسوا جميعا، يدعون وصلا بليبيا؟ وكيف تقر ليبيا لمن يرسل على عماراتها، وعلى مناراتها، وعلى أبنائها وبناتها، قذائف الطائرات، وبراميل المتفجرات، ليدك حصونها، ويجوع بطونها، ويعمق شجونها؟
احتار والله العقلاء، والحكماء، والشرفاء في أمر ليبيا، التي فقدت، بسبب عقوق بعض أبنائها، معالم وجودها، وحصانة حدودها، وسيادة دولتها، وعلو بنودها. فهل سمعنا إنسانا برأسين؟ ودولة بحكومتين؟ وسلطة ببرلمانين؟ وقوة بأكثر من قوتين؟
وهل الداء كامن في الإنسان الليبي؟ إننا لنشهد _والله– بأن المواطن الليبي، من أطيب عباد الله، طبيعة، وخلقا، ومعاملة. فماذا دهى ليبيا _إذن– إذا كان هذا هو واقع أبنائها؟
هل الداء وافد إلى ليبيا من خارج حدودها، وأبنائها؟ إنه ما كان لهذه الأوبئة، أوبئة العنف، والإرهاب، والحقد، والكراهية، وهي كلها، صارت تطبع الواقع الليبي اليوم، ما كان لها أن تكون لولا قابلية في بعض الليبيين الذين وطّنوا لغير الليبي العربي والأعجمي، فهيئوا له أكناف البيت، وأطمعوه في خيرات ليبيا، من الغاز والزيت، وقالوا له هيت. لله أمر ليبيا من هذا الغازي على بنغازي، الذي يقوم بكل عمل استفزازي، مباشر، أو بإيعاز.
نكلكم إلى الله، إلى التاريخ، يا بعض أبناء ليبيا، ممن تبلدت ضمائركم، وطمست سرائركم، فاغتصبت بسببكم حرائركم، ودنست مقدساتكم ومقابركم. معاذ الله أن يرضى الليبي الحر بأن يكون في وطنه جالب ضر، ومخلب هر، ومفتاحا لكل شر! سواء باسم عنتر أو باسم حفتر.
كنا نظن، أن الاستبداد الذي ران على ليبيا، ردحا من الزمن، قد وحد المظلومين، وآخى بين المحرومين، وأيقظ العاقلين، وجعل الجميع في خندق واحد هو خندق المقاومة في وجه المعتدين، والغازين، والمتسللين، والطّامعين.. فليس في ليبيا _في حدود علمنا– مكان لأشباه المستبدين، وأزلام الطاغين، وورثة المفسدين والمنتقمين.
إن هذه اللوحة القاتمة التي ترسم معالم ليبيا، الربيع العربي، لتشوه وجه الجميع من الجموع الليبية إلى حقائق ومقاصد، تحارب أنظمة الربيع العربية. ليس العيب في المسيرة السقوط، وليس بضار أن يخطئ الإنسان في تجربته، ونيته طيبة، إنما العيب كل العيب أن يتمادى الإنسان في السقوط، وعنده أسباب النهوض من كبوته. وأن يصر على الخطإ العظيم، وهو يدرك معالم خطئه، وأسباب سقطته.
واليوم، وقد لاحت بشائر الأمل، ومدت الأيدي للجميع من أجل بداية العمل، فما عذر من تتصامم عقولهم عن الاستجابة، واستيقاظ ضمائرهم للتوبة والإنابة.
إن الوطن غفور رحيم، فالعبرة بما سيأتي بمن يضمد الجراح، ويضع حد للأحزان والأتراح، ولملمة الصفوف من أجل فتح صفحة التسامح، والانفتاح والانشراح.
إن اجتماع الفرقاء الليبيين، تحت قبة الجزائر الخضراء، التي تعبق بالحب، والعطف والإخاء لكل ليبي، أيا كانت قناعته، لهي فرصة ثمينة، لعودة المصالحة والمصافحة، بعد المطارحة والمصارحة… لابد أن يفتح الجميع قلوبهم لبعض، وأن يتحلى كل واحد بالشجاعة، ليعترف بأخطائه قصد تجاوزها، وبناء مستقبل على أسس مضادة لكل أنواع الزلازل الأرضية، والمطبات الجوية، والزعازع السياسية والأخلاقية.
إننا نرفع اكف الضراعة إلى الله، أن لا يسجل على أرض الجزائر، خيبة الأمل الليبي، فليس للجزائر أطماع في ليبيا، أي أنواع الأطماع، فلا نريد لليبيا إلا المودة في القربى، فليغتنم إخواننا الليبيون صفاء جو الجزائر، وإخاء صدق الضمائر، كي يحققوا المكسب الأسمى، متمثلا في التالي:
1– الإعلان الموحد لوقف كل لأنواع القتال والعنف، اللفظي، والإعلامي، والمعنوي، من أجل إحداث مناخ صالح لتحقيق الأهداف الأخرى.
2– الالتزام، بالوقوف تحت المظلة الحزبية الكبرى، دون سواها، وهي مظلة حزب ليبيا، الوطن الأكبر. فلا عدو إلا عدو ليبيا، ولا حليف إلا حليف ليبيا.
3– الذهاب إلى فتح مرحلة جديدة، لتكن انتقالية، تسند فيها المسؤوليات على أساس الكفاءة والوطنية، وحسن الخلق، بعيدا عن كل انتماء حزبي أو إقليمي أو طائفي أو مذهبي.
4– التخلي عن كل أنواع الانتقام، ممن تلطخت أيديهم، بعد ثورة الربيع الليبي، سواء بالدم أو بفساد الذمة.
إننا نهيب بأشقائنا الليبيين، أن يرتفعوا إلى مستوى ليبيا الكبرى، ليبيا الجريحة، وما تطمح إليه من تضميد للجرح، وتجاوز للقرح، وتقريب ساعات الفرح.
إن الفرصة مواتية، وإن الرياح عاتية، فليتغلب الصبر والإيمان، والتسامح والإحسان، على كل أنواع الأحقاد والأضغان، إذا ما أريد لليبيا أن يتعزز فيها البنيان، ويقضى فيها على كل أنواع الطغيان، فتستعيد مكانتها بين الأوطان والبلدان.
نصحت ونحن مختلفون دارا ولكن كلنا في الهم “غرب“