الرأي

سبل التنظيم الآمن لعلاقات القوة

حبيب راشدين
  • 2075
  • 4

السياسة هي عند علمائها: “تنظيم لعلاقات القوة والنفوذ” والديموقراطية عندهم: هي “تنظيم سياسي يقتسم فيه المواطنون البالغون فرص المشاركة في صناعة القرار” فيما الدكتاتورية هي “نظام سياسي تنحصر فيه فرص المشاركة في صناعة القرار بين قلة”..

دعونا نستعرض على ضوء هذه المبادئ بعض فصول الهرج والمرج، الذي حصل على هامش الاستحقاق الرئاسي، قبل وبعد انطلاق الحملة الرسمية التي لم تتحرر فعالياتها حتى الآن من عقدة العهدة الرابعة.

الفصل الأول، الذي نسج على خلفية الملاسنات الحادة بشأن “مديرية الاستعلام والأمن” لم يكن سوى حلقة من حلقات تنظيم الفئة المتنفذة لعلاقات القوة والنفوذ بين مكونات نظام واحد، سرعان ما حسم خلافاته، أو سحبها من الواجهة، بعد أن يكون قد أعاد تنظيم علاقات القوة داخله، بإرضاء الأطراف المتضررة.

الانتقال إلى الفصل الثاني، بعد أن تأكد إعادة ترشح الرئيس لعهدة رابعة، نقل الحديث إلى طبيعة نظام الحكم، بين من يصر على أن فتح الترشح لأكثر من عهدتين قد أضر بالمسار الديموقراطي، وانتكس بالبلد مجددا إلى نظام ديكتاتوري، تنحصر فيه فرص المشاركة في صناعة القرار بين قلة، هي في الحالة الجزائرية بيد فريق من المتنفذين والمستفيدين من دائرة الرئيس، فيما زعم أنصار الرابعة أن حق الترشح يكفله الدستور بإحالة قرار الحسم للناخبين.

والحقيقة التي لا ترد، أن العهدة الرابعة لم تكن بحال من الأحوال لتشكل مدخلا لثلب نظام الحكم، لولا أن الرئيس قد فشل في ما سلف في توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، كما فشل سلفه منذ بداية التعددية في ترسيخ أهم مبدأين نظريين في الديموقراطية: إخضاع تنظيم علاقات القوة لتحكيم شعبي محمي من التزوير، وبناء مؤسسات دستورية تمنع القلة المتنفذة من الغلو والاستبداد، وتسمح بقدر من السلطة المضادة.

ما نعلمه يقينا أن شخوص المشهد السياسي في السلطة والمعارضة لا يؤمنون بهذه المبادئ التي تشكل الحد الأدنى المميز بين نظام ديموقراطي وآخر دكتاتوري، وإلا ما كانت هذه الزعامات لتبقى على رأس الأحزاب لأكثر من عقدين، همها مثل هم السلطة: تنظيم علاقات القوة لصالح قلة قليلة تستفيد من ريع مهنة السياسة.

إليكم السيناريو التالي الذي كان سيجعل الجميع يترضى على نظام الحكم، ويصرف النظر عن دعوات التغيير والإصلاح: فريق الرئيس يفشل في إقناع الرئيس بطلب عهدة رابعة، وتنأى المؤسسة العسكرية بنفسها، فيقبل على الترشح شخصيات مثل السيد حمروش، وربما السيد زروال، وشخصيات من الإسلام السياسي ومن القطب الليبرالي، وتنجح الإدارة أخيرا في إدارة استحقاق مؤمن من التزوير.

الفائز من هكذا استحقاق كان سيجد نفسه بعد وصوله إلى قصر المرادية أمام نفس العقد التي أرهقت بوتفليقة وسلفه: كيف يمكن تنظيم علاقات القوة بين المتنفذين داخل النظام دون تفجير الصراعات، مع دستور يصر على تجاهلها، ويمنع بناء مؤسسات تحرم أرباب السلطة من سلوك الاستبداد المغروس في نفوس كل طالب للسلطة. 

مقالات ذات صلة