-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سرُّ الصمود الإيراني

سرُّ الصمود الإيراني

بالرغم من أن إيران مارست توسعا أيديولوجيا ضد الدول العربية بما أحدث قلاقلَ وتشنجاتٍ مذهبية أدت إلى شروخ مجتمعية، ظهرت جليا في لبنان واليمن والعراق وسوريا وبشكل أقل في السعودية والكويت والبحرين، مما أضر باستقرار هذه الدول، بل وكان عاملا أساسيا في فشل بناء الدولة كما هو الحال في لبنان واليمن وسوريا، إلا أن الدول العربية استندت إلى ممارسات عمّقت هذا التوسع الإيراني ورفعت من منسوبيته من مستوى منافس إقليمي إلى مستوى خطر مترصد؛ خاصة بتبني أنظمتها علمانية ممجوجة بعيدة عن عمق المجتمعات العربية السنية، وكذا بالانحياز إلى الغرب العدو الحضاري للأمة الإسلامية، باستقدام قواعد عسكرية له في المنطقة، وترك الحبل على الغارب لمكاتب مخابراته المخترقة من قبل الكيان الصهيوني.

من هذا المنطلق الواقعي والبراغماتي، يمكن الغوص في أسباب الصمود الإيراني ضد هذا العدوان الأمريكي الصهيوني، فإدراك ضرورة البقاء هو ما جعل الدولة الإيرانية تبني هيكلية مؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمات الكبرى. لقد جاءت الضربة الأولى من هذه الحرب قوية ومدمِّرة، واستهدفت شل مفاصل الدولة عبر إسقاط قيادات الصف الأول الروحية والعسكرية والسياسية وعلى رأسهم المرشد الخامنئي، إلا أن النظام أثبت تماسكا مؤسساتيا لافتا. لقد استطاعت إيران الرد بفعالية كبيرة، من دون تعثر أو ارتباك، بل ظل المجتمع الإيراني متماسكا رغم “الفسيفساء” المعقدة التي تكوِّنه عرقيا ودينيا وسياسيا. هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج محركات عميقة يمكن قراءتها عبر المحاور التالية:

ثقافة المواطنة وتحصين الجبهة الداخلية

رغم ما يظهر على دولة إيران من ثيوقراطية وتقوقع مذهبي، إلا أن النظام الإيراني استطاع أن يستوعب كل الاختلافات، إذ تتشكل الخارطة المجتمعية الإيرانية من ثمانية أعراق على الأقل، والعديد من الديانات والمذاهب؛ من سنة ومسيحيين ويهود وسيخ وبوذيين.

وبخلاف ما حصل مع دول أخرى في المنطقة شهدت انقساماتٍ حادة أثناء الغزو، مثل العراق وسوريا، لم تنجح المراهنات على تحريك الأقليات لفتح ثغرات داخلية، مما يعكس ترسخ مفهوم “المواطنة السياسية” أمام التهديد الخارجي. وهذا ما يفسر التماسك المجتمعي الحاصل، فبينما برز في العراق عند الاجتياح الأمريكي من يدعم الغزو من الأكراد والشيعة، فإن أكراد إيران لم يفتحوا تلك الثغرة إلى حد الآن.

كما ساهمت الصورة السيئة التي تلف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في تعزيز هذه الجبهة الداخلية؛ فالتاريخ الطويل من الحروب والظلم ونهب ثروات الشعوب، وآخرها ما حدث في أفغانستان والعراق وغزة، رسَّخ لدى قطاع واسع من الشعب الإيراني تصورا بأن المعركة هي تهديد وجودي. هذا التصور هو الذي دفع المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، ليس بالضرورة حبا في النظام، بل خوفا من مصير مشابه لدول الجوار، مما حوَّل الحرب في الوجدان الجمعي إلى معركة للدفاع عن الكيان الوطني وثروات البلاد ورفض الغزو والوجود الأجنبي.

الالتزام الاستراتيجي والقراءة التكنولوجية الصحيحة

هذا التماسك الداخلي توازى مع التزام استراتيجي وقراءة تكنولوجية صحيحة لموازين القوى؛ فلم يكن الصمود الميداني وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تحضير مسبق للحرب، استفاد من وقائع عدوان الـ12 يوما في جوان 2025. لقد بُنيت الخطط على قراءة واقعية بدأت باستنزاف منظومات اعتراض الصواريخ لدى الخصم، وتحضير بنك أهدافٍ محدد بجدولة زمنية صارمة، مما سمح بانتقال سلس من وضعية امتصاص الضربة إلى المبادرة بالرّد الفعّال من دون ارتباك.

وقد تركزت هذه الإستراتيجية على ضرب مكمن القوة الأساسي للولايات المتحدة وإسرائيل وهو “التكنولوجيا”، وبالأخص في مجال الاتصال والجوسسة؛ فمن خلال استهداف مراكز الإدارة والتحكم ومنظومات الاستشعار في المنطقة، والتي تستضيفها –للأسف- دولُ الخليج العربي، مثل منظومة “ثاد” (THAAD) ومركزها الرئيسي في البحرين، وكذا مكاتب المخابرات الأمريكية في عواصم الدول العربية؛ في أبو ظبي، الدوحة، الرياض، والكويت…  تمكنت إيران من تعطيل فاعلية الرصد، مما قلَّص زمن استشعار الصواريخ من 20 دقيقة إلى لحظة الوصول مما جعل صواريخها ومسيَّراتها تدك القواعد العسكرية الأمريكية دكًّا وتحيِّد حاملة الطائرات “جيرالد فورد” وتخرجها عن الخدمة، وتؤلم العدو الصهيوني بإصابات بالغة في عمق تل أبيب وعلى رؤوس القواعد العسكرية ومركز المفاعل النووي “ديمونة”. هذا الاختراق التقني تكامل مع استخدام قوة الجغرافيا كعنصر حسم؛ إذ استُغلت شساعة المساحة وتنوُّع التضاريس الجبلية الوعرة لإخفاء منصات الصواريخ وتحويلها إلى أهداف عصية على الرصد الجوي. كما جرى توظيف مضيق هرمز كدرع ردع مزدوج، عسكريا عبر التحكم في الممر المائي، واقتصاديا عبر التهديد بشلِّ 20 بالمائة من حركة الطاقة العالمية، مما خلق ضغطا دوليا عطَّل قدرة الخصوم على الحسم. هذا المزيج بين “حرب التكلفة” عبر المسيرات زهيدة الثمن، وبين استنزاف صواريخ الاعتراض المليونية، وبين التحصن بالجغرافيا الصعبة، هو ما خلق الاختلال الحاد في ميزان القوة المادية والعسكرية على أرض المعركة.

التحالفات الدولية وتقاطع المصالح

لم يكن الصمود الإيراني ليعتمد على الجبهة الداخلية فحسب، بل استثمرت الدولة ببراعة في تقاطع المصالح مع القوى الكبرى كروسيا والصين، لتحقيق مكاسب استخباراتي ولوجستية حاسمة. مع روسيا، جرى تبادل المعلومات الحساسة عن التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ إذ وجدت موسكو في الصمود الإيراني فرصة ذهبية لتشتيت الانتباه الاستراتيجي الأمريكي بعيدا عن الجبهة الأوكرانية، واستنزاف المقدرات العسكرية لواشنطن في صراع إقليمي جديد يخفِّف الضغط عن العمق الروسي.

أما مع الصين، فقد أدّت “التبعية الطاقوية” دورا حاسما في رسم ملامح هذا التحالف؛ فبكين التي تعتمد بنسبة كبيرة على النفط الإيراني لتشغيل ماكينتها الاقتصادية، ترى في أي سقوط أو تغيير للنظام في طهران تهديدا مباشرا لأمنها القومي وتحويلها إلى “رهينة طاقوية” بيد الإدارة الأمريكية. هذا الإدراك جعل الصين حليفا غير مباشر يرفض الهيمنة الأمريكية على موارد الطاقة، ويوفر غطاءً سياسيا واقتصاديا لإيران أحبط مفاعيل الحصار الشامل. إن قدرة إيران على الاستثمار في هذه التقاطعات جعلت من معركتها معسكرا دوليا مصغرا، تتقاطع فيه رغبة موسكو في الاستنزاف مع حاجة بكين للأمن الطاقوي، مما خلق ظهيرا دوليا صلبا منع التفرُّد الأمريكي بالدولة الإيرانية وأطال أمد قدرتها على المواجهة.

وفي الأخير نخلص إلى ​أن قراءة مشهد الصمود الإيراني بعيدا عن ثنائيات العاطفة والمواقف المسبقة، تكشف عن دولة أدركت مبكرا أن البقاء في غابة المصالح الدولية يتطلب جبهة داخلية صلبة وعقلا استراتيجيا باردا. لم يكن تماسك النظام أمام ضربات العدوان الأمريكي الصهيوني مجرد صدفة، بل كان ثمرة لبناء مؤسساتي استوعب تعقيدات الفسيفساء المجتمعية، وحوّل التهديد الوجودي إلى مانع وطني ضد الاختراق الخارجي، مستفيدا في الوقت ذاته من الفراغات السياسية والحضارية التي خلفتها أنظمة الجوار.

​لقد أثبتت وقائع المواجهة أن القوة العسكرية لا تُقاس فقط بامتلاك التكنولوجيا الفائقة، بل بالقدرة على تحييدها واستنزافها، وبتحويل الجغرافيا الوعرة وسلاح الطاقة والتحالفات الدولية الذكية إلى أدوات ردع عابرة للحدود. وفي المحصلة، يظل هذا الصمود درسا في الواقعية السياسية؛ إذ تغلبت لغة المصالح المتقاطعة مع القوى الكبرى، وتماسك البنية المؤسساتية في الداخل، على أعتى آلات الحرب، لتفرض إيران نفسها فاعلا دوليا بوزن إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة قادمة للقوة.

هذا الاختراق التقني تكامل مع استخدام قوة الجغرافيا كعنصر حسم؛ إذ استُغلت شساعة المساحة وتنوُّع التضاريس الجبلية الوعرة لإخفاء منصات الصواريخ وتحويلها إلى أهداف عصية على الرصد الجوي. كما جرى توظيف مضيق هرمز كدرع ردع مزدوج، عسكريا عبر التحكم في الممر المائي، واقتصاديا عبر التهديد بشلِّ 20 بالمائة من حركة الطاقة العالمية، مما خلق ضغطا دوليا عطَّل قدرة الخصوم على الحسم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!