سقطة مدوّية لـ”أمير المؤمنين”!
كما كان منتظرا منذ بضعة أشهر، وعلى خُطى الإمارات والبحرين، قبِل نظامُ “أمير المؤمنين” و”رئيس لجنة القدس”، إخراج علاقاته القائمة مع الاحتلال الصهيوني منذ عقود، من السرّ إلى العلن، والانضمام إلى قائمة المهرولين المنبطحين، مقابل اعتراف الرئيس الأمريكي المهزوم دونالد ترامب بـ”سيادة” بلده على الصحراء الغربية، وفتح قنصليةٍ أمريكية في مدينة الداخلة الصحراوية، اعتقادا منه أنّ ذلك كفيلٌ بفرض الأمر الواقع على الصحراويين، وإنهاء الصراع معهم لصالح فكرة الحكم الذاتي الموسّع ودفن مسعى الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء تقرير المصير.
هي مقايضةٌ حقيرة، تُبيّن لنا إلى أيّ دركٍ أسفل انحدر العرب؛ بالأمس قبلت الأسرتان الحاكمتان في الإمارات والبحرين الانبطاح للاحتلال والاعتراف بشرعية احتلاله لفلسطين والقدس والأقصى، مقابل حماية عروشهما من “الخطر الإيراني” المزعوم، ثم جُرَّ السودان إلى هذا المستنقع الآسن مقابل رفع اسمها من القائمة الأمريكية للإرهاب، واليوم يفعلها نظامُ “أمير المؤمنين” ويقبل بدوره هذه المقايضة الرخيصة؛ أي بيع فلسطين والأقصى مقابل الانحياز الأمريكي الكامل إلى رؤيته لحلّ الصراع في الصحراء الغربية على أساس الحكم الذاتي الموسَّع.
واللافت للانتباه أن المخزن، وكما فعلت الإمارات والبحرين من قبل، قد حوّل خيانته الصارخة لفلسطين والقدس إلى “انتصار تاريخي كبير”، من خلال التركيز فقط على أهمّية اعتراف ترامب بـ”سيادة المغرب على الصحراء الغربية”، وتجاهل طعنته النجلاء للفلسطينيين والعرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فقد دقّ المسؤولون والإعلاميون والمثقفون المغاربة طبول النصر في فضائياتهم وفضائيات الإمارات ودول الهرولة التي أقامت لهم احتفالات النصر الوهمي، وأعلنوا أنّ هذا الاعتراف “تحوّلٌ تاريخي” و”اختراقٌ غير مسبوق” سيمكّن المغربَ من كسب الصراع لصالحه، كما روّجوا للاستثمارات الأمريكية الغزيرة التي ستتدفّق على المغرب والمدن الصحراوية، ولم يتحدّث أيّ بوق من هذه الأبواق عن خيانة فلسطين وطعنِها في الظهر من خلال الهرولة إلى الاحتلال ومدّ اليد إلى قتلة أطفال غزة ومُهوِّدي القدس وقبلة المسلمين الأولى، ومنحهم الضوء الأخضر ضمنيا لممارسة المزيد من القتل والتنكيل والتهجير والتهويد…
ليس لدينا شكّ في أن ترامب سيغادر البيت الأبيض في 20 جانفي المقبل مذموما مدحورا من دون أن يتمكّن من فرض أيّ حلٍّ يرفضه الصحراويون، تماماً مثلما فشل من قبل في فرض “صفقة القرن” على الفلسطينيين، فالصحراء الغربية ليست ملكَ أبيه حتى يمنحها لمن يشاء، وحتى إذا أقرّ الرئيس المنتخَب جو بايدن بما فعله سلفُه، فلن يغيّر ذلك الكثيرَ من الوقائع على الأرض؛ فبرغم ثقلها الدولي الكبير، إلا أنّ القضية بيد الأمم المتحدة وليست بيد أمريكا وحدها.
لذلك نؤكّد أنّ هذه المقايضة خاسرة، ولن يستفيد المخزن شيئا من الاستقواء بالاحتلالِ الصهيوني وأمريكا لفرض الحلّ الذي يريده في الصحراء الغربية. المستفيدُ الوحيد من المقايضة هو الكيانُ الصهيوني الذي كسب معركة سياسية أخرى مع الفلسطينيين بانضمام سادس دولةٍ عربية إلى قائمة الانبطاح والاستسلام الذليل، بعد كلٍّ من مصر والأردن والإمارات والبحرين والسودان، في انتظار سقوط أقنعة النفاق عن خونةٍ آخرين وانضمامهم إلى القائمة قبل انقضاء ولاية ترامب الرئاسية في 20 جانفي 2021.
ولا نستبعد الآن، أن يجرّ الاحتلالُ الصهيوني المغربَ إلى قائمة الدول الراغبة في تشكيل تحالفٍ عسكري ضد إيران، مقابل التحالف معه في حربه ضد الصحراء، عسكريا واستخباراتيا، ومن ثمّة إقامة قواعد عسكرية على مرمى حجرٍ من حدودنا، وبتمويل إماراتي وخليجي، ما يعني أنّ حدود الجزائر ستصبح مطوَّقة بالكامل بأعداء، وأنّ هناك مؤامرة رباعية صهيونية- أمريكية- مغربية- خليجية في الأفق تستهدف أمنها واستقرارها، ويجب أن تُحسِن الاستعداد لها والتعامل معها.