سقوط شهود الزور!
الحراك الشعبي الذي بدأ يوم 22 فيفري، كان سياسيا ودستوريا وإعلاميا وقضائيا وجامعيا وثقافيا وفنيا وتربويا واقتصاديا وأخلاقيا، وهناك عديد الشواهد والقرائن التي تؤكد ملاح التغيير، ولو في مرحلته الأولى!
الجميع يتفق على أن الحراك السلمي، حرّر الأحزاب والسياسة والمعارضة والموالاة، وحرّر القضاء والإعلام والثقافة والجامعة، حرّر الاقتصاد والتجارة، وحرّر حتى الأخلاق وأعاد المجتمع إلى قيمه وعاداته وتقاليده!
الكثير من المظاهر الجميلة والمشاهد الحضارية، اختفت لسنوات طويلة، وعادت فجأة ودون سابق إنذار مع حراك شعبي أذهل العالم وأبهره بسلميته وتحضره ورسائله الراقية، ودوّخه بتلقائيته وعفويته، وتحرّره من أيّ حزبية أو إيديولوجية أو انتماء أو ولاء أو تبعية!
الجهة الوحيدة والواحدة التي يصلي نحوها الجميع، هي الجزائر، بوحدتها الترابية والوطنية، وسيادتها، ورفضها للتدخل الأجنبي، واستنادها على بيان أول نوفمبر ونشيد قسما، ومشروع الثورة التحريرية وحلم الشهداء الأبرار!
لقد استرجع القضاة والإعلاميون والسياسيون والجامعيون والنخبة، وكلّ الشرفاء والنزهاء، في كلّ المواقع والتخصّصات، لسانهم، الذي إمّا أنه تعرّض للقطع خلال المرحلة الماضية، أو أنه تلكّأ لعدة اعتبارات ومبرّرات، أو أنه التزم الصمت من باب الحكمة، أو أنه كان “شيطانا أخرس” ساكت عن الحقّ نتيجة ظروف قهرية أنتجت الاضطرار ووأدت الاختيار!
كاذب ومخادع من يزعم بأن “فخامة الشعب” لم يحرّر مختلف الفئات وأخرجهم من دوائر الرهن والحبس والاحتباس والضغط والمساومة والابتزاز والمقايضة، وها هي قطاعات حساسة، كانت معذبة بواجب التحفظ، وفي كثير من الأحيان، كانت “أتزيد عليها” لعدّة دواع، بما أدخلها لعدة سنوات في دائرة الشبهة وقفص الاتهام بالنسبة للرأي العام الذي كان “يتفرّج” على كلّ شيء!
لقد اعتقد المتورّطون والمتواطئون، داخل نظام الرئيس المستقيل، أن “شهود الحقّ” انقرضوا إلى الأبد، وأن “شهود الزور” سينفعوهم، حيث لا تنفع الشهادات والاعترافات، لكن المليونيات السلمية، كلّ جمعة، والمظاهرات المهنية الحاشدة، طوال أيام الأسبوع، وبطريقة منظمة ومنتظمة، فاجأت مخططاتهم، وأخلطت أوراقهم وأفسدت استشرافهم!
قد يقول قائل إن الحرية لن تكتمل إلاّ بالتمتع بهذه الحرية، والآن بدأ الجزائريون يجنون ثمار هذه الحرية التي يرفضون أن تكون بأنصاف الحلول وعن طريق “البريكولاج”، متيقنين بأن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، وأن ما حدث إلى حدّ الآن من “مكاسب وإنجازات”، ما كان لعشر أعشاره أن يتحقّق، لو لم يتحرّك الحراك ذات جمعة من شهر فيفري، وما تبعها من جمعات متتالية، إلى أن بلغت العاشرة!