سكان الجنوب “ينزحون” إلى الشمال لقضاء رمضان مريح
عندما كتب الروائي السوداني الطيب صالح روايته العالمية الخالدة “موسم الهجرة إلى الشمال” التي نالت شهرتها من كونها من أولى الروايات التي تناولت، بشكل فني راق، الصدام بين الحضارات وموقف إنسان العالم الثالث ـ النامي ورؤيته للعالم الأول المتقدم، ذلك الصدام الذي تجلى في الأعمال الوحشية دائماً، والرقيقة الشجية أحياناً، لبطل الرواية مصطفى سعيد، نقول عندما كتب الطيب صالح تلك الرواية، لم يكن يستهدف الحديث عن تلك الهجرات التي يقوم بها الإنسان هربا من حر الجنوب خلال أشهر الصيف ولفح شمسه غير الاعتيادية، ولكن سكان الجنوب الجزائري لا تعني لهم الهجرة من مدنهم إلى ولايات الشرق والوسط في فصل الصيف، إلا الهروب من درجات الحرارة العالية التي يمتد لهيبها إلى شهر رمضان ولو دفعوا مبالغ كبيرة في الإيجار.
من تندوف إلى العاصمة
صيف هذا العام كغيره من فصول صيف الأعوام السابقة، بدأ حارا حيث وصلت درجات الحرارة إلى 50 درجة، ومثلما جرت العادة لدى سكان الجنوب فإن تندوف تصبح من الولايات الطاردة صيفا، ولهذا فإن ظاهرة النزوح من هذه الولاية إلى ولايات الشمال لقضاء فصل الصيف موجودة بكثرة، وهذا ما كشف عنه لـ”الشروق” الأستاذ الجامعي “حبيب. م” وهو من سكان هذه الولاية الجنوبية، حيث أكد على انتشار هذه الظاهرة بكثرة “.. يتنقل الكثير من سكان تندوف إلى بعض الولايات الشمالية لقضاء فصل الصيف وهذا بكراء بيوت عبر هذه الولايات، ولأن فصل الصيف يتوافق هذه السنة وشهر رمضان الكريم، فإن العديد من العائلات قامت باستئجار بيوت لقضاء هذا الشهر الفضيل بالشمال، وهناك من العائلات من فضلت قضاء هذا الشهر عند أصهارهم أو أصدقائهم”.
وكشف “حبيب. م” أن أسعار البيوت مرتفعة للغاية إذا ما قورنت بمستوى دخل العائلات الجزائرية حيث وصل معدل الكراء إلى 40 ألف دينار جزائري وأكثر، وأن الولايات التي يقصدها سكان تندوف عادة هي تلمسان، وهران، عين تموشنت في الغرب الجزائري، أما في الشرق فيقصدون جيجل، سكيكدة، عنابة، وأضاف بأن سكان تندوف لا يفضلون عادة ولايات الوسط نتيجة عدم توفرها على شواطئ واسعة، ولهذا يقوم من تضطرهم الظروف إلى قضاء الصيف بإحدى ولايات الوسط أن يقوموا بكراء مساكن بالولايات القريبة من الولايات الساحلية مثل البليدة، الشلف. ومع أن هذا المواطن التندوفي كشف بأن الكثير من العائلات بهذه الولاية تُسارع إلى قضاء الصيف كاملا أو شهرا على الأقل من هذا الفصل الحار، إلا أنه لاحظ أن حرارة الولايات الجنوبية أفضل من حرارة الولايات الشمالية بسبب نسبة الرطوبة العالية التي تصبح عليها هذه الولايات صيفاً ما يجعلها صعبة التحمل من هذه الناحية على من ألف المناخ الجاف.
..ومن ورقلة إلى الجلفة يا قلبي لا تحزن
مع أن ولاية الجلفة تعدُّ من ولايات الهضاب العليا، وحرارتها صيفا ليست بردا وسلاما دائما، إلا أنها تعتبر قبلة لسكان بعض الولايات الجنوبية على غرار ولاية ورقلة مثلا، ولأن الأمور كذلك، دأبت السيدة “م.ح” المنحِدرة من إحدى بلديات ولاية الجلفة ومتزوجة بولاية ورقلة على قضاء الصيف بالجلفة، لأنها ترى أن حرارتها أقل بكثير مقارنة بورقلة تقول هذه السيدة “لا أستطيع تحمّل الحرارة هناك بالرغم من المكيفات التي نشغّلها صيفا، ولهذا لا أجد من مخرج سوى التنقل إلى أهلي بدائرة البيرين بولاية الجلفة لقضاء شهر على الأقل من فصل الصيف، وهذا العام فضّلت أن أقضي شهر رمضان في كنفي عائلتي بالجلفة”. ومع أن تجربة هذه السيدة تبدو لأول وهلة وكأنها تجسيد للمثل العربي السائر “كالمستجير من الرمضاء بالنار..”، إلا أن الكثير من العائلات الجزائرية تفضل الأخذ بأخف الأضرار بدل أن تلعن الجو الحار، وهذه السيدة مثال حي على سلوك الجزائريين للتكيف مع صيف الجنوب.
الميسورون أوفر حظا
يُشكّل النزوح من الجنوب إلى الشمال صيفا، ظاهرة جزائرية جديرة بالدراسة لمعرفة أسبابها من أجل الاستفادة منها لترقية السياحة الداخلية والأخذ بأسبابها. غير أنّ الميسورين من الجزائريين القاطنين بالولايات الجنوبية هم الأوفر حظا وحالا لأن الكثير منهم يملكون شققا ومساكن بالولايات الشمالية يستعملونها عادة في مواسم الاصطياف صيفا وعندما تدعو الحاجة إلى ذلك، وبالتالي فهم يتجنبون كل عام مشقة دفع مبالغ كبيرة لكراء مساكن يقضون فيها فصل الصيف الحار جنوبا. ومن الظواهر التي تنتعش صيفا أيضا المخيمات التي تسارع إلى إقامتها الكثير من المنظمات الشبانية الوطنية بولايات الشمال، وهذا لصالح فئات الشباب الذين يستفيدون من هذه المخيّمات مقابل دفع مبالغ رمزية لقضاء أيام من فصل الصيف على شواطئ الولايات الساحلية. وفي كلّ الأحوال فإنّ صيف الجنوب يدفع إلى أحد الخيارين، إما قضاء النهار في غرف مكيّفة لأولئك الذين لا تسمح لهم إمكانياتهم بدفع ثمن إقامة مريحة بالشمال، أو التنقل إلى الشمال وتحمّل تكلفة ذلك في ظل غياب شروط سياحة جزائرية حقيقية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.