سلاح الأمعاء الخاوية
بينما ينشغل العالم العربي والإسلامي بصراعاته وحروبه وأزماته واهتماماته المعيشية.. يخوض أزيد من 1600 أسير فلسطيني منذ 17 أفريل الماضي معركة صامتة بالأمعاء الخاوية احتجاجا على تعسّف الاحتلال الصهيوني الذي فرض على الكثير منهم الحبس الانفرادي والاعتقال الإداري وحرمهم من حقوقهم في العلاج والزيارات العائلية…
هو إضرابٌ يخوضونه منذ أكثر من شهر داخل سجون الاحتلال غير آبهين بجبروت جلادٍ ولا خذلان قريبٍ متآمر.. وقد التحمَ كل الأسرى من جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، لينجحوا بذلك في تجاوز الانقسامات الحاصلة في الساحة الفلسطينية منذ عام 2007، ويقدّموا درساً بليغاً لكلِّ الفصائل مفاده أن جميع خلافاتكم وانقساماتكم يمكن تجاوزُها على أرضية المقاومة وحدها، مهما تعدّدت أشكالُها وصيغُها.
بعد شهر من المكابدة والمعاناة، بدأ الإضرابُ يعيد القضية الفلسطينية المنسية إلى الواجهة، ويرفع معنويات الشعب الفلسطيني، ويربك العدوّ الصهيوني، ويحرّك المنظمات الدولية وحتى الدول الغربية للبحث عن مخرج لمأزقه، ولكن المفارقة أن الإضراب أحرج السلطة الفلسطينية أيضاً عوض أن تستخدمه كورقة ضغط ضد الاحتلال؛ فقد كشفت زوجة الأسير الشهير مروان البرغوثي أن هناك أطرافا في السلطة “تقوم بمحاولات تحت الطاولة وفوقها لإفشال الإضراب” وتتفاوض سرا مع الصهاينة لإنهائه، وبلغ الأمر إلى درجة أن طالبت الاحتلال بالضغط على الأسرى لفكّه، عوض أن تدعوه إلى الاستجابة لمطالبهم العادلة! وكأن همَّ هذه السلطة الوحيد وأساس وجودها هو منعُ كل أشكال المقاومة ضد الاحتلال، حتى لو كانت على شكل إضرابٍ عن الطعام لا يقتل صهيونيا واحدا، ومعظم من قاموا به هم من “فتح” نفسها.. فهل تكون الخطوة القادمة هي قيام هذه السلطة بقطع المِنَح الشهرية عن عائلات الأسرى والشهداء استجابة لطلب نتنياهو وترامب اللذين قالا إن ذلك “يشجِّع الإرهاب”؟ لا شيء أصبح مستبعَدا مع هذه السلطة التي كلما ضربها الاحتلالُ على خدِّها الأيمن، استمرأت الضرب وأدارت له خدَّها الأيسر!
ومع ذلك، فإنَّ ما يجري في سجون الاحتلال منذ أكثر من شهر يعطي جرعة إضافية للفلسطينيين خارج السجون للصمود والثبات بعيدا عن المواقف المتخاذلة لسلطتهم، فحينما يمتنع 1600 أسير عن الطعام أكثر من شهر ويكتفون بالماء والملح، برغم خطر الموت الذي يتربّص بهم في أي لحظة، فإن ذلك مدعاة لجميع الفلسطينيين خارج السجون بأن يهبّوا إلى مقاومة الاحتلال ولا يكونوا أقلّ شأنا من الأسرى في سجونهم.
في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية، والمتميزة بالتآمر والتحضير لتصفيتها برمّتها باسم “السلام الإقليمي” المزعوم، ليس أمام الفلسطينيين، سواء داخل سجون الاحتلال أو غزة والضفة، سوى مواصلة الصمود والمقاومة بشتى الأشكال، واستعمال كل الأسلحة المتوفرة ومنها الأمعاء الخاوية.
إذا صمد الأسرى أمام كل أشكال الضغط والترهيب الصهيونية، فلا نشكّ في أنهم سيُرغِمون العدوّ في النهاية على الرضوخ لمطالبهم العادلة. لقد خاض العديد من الأسرى الفلسطينيين في الأعوام الأخيرة معاركَ انفرادية مع الاحتلال بالأمعاء الخاوية وكسبوها وانتصروا على جلاديهم ونالوا حريتهم بعد طول تضحيةٍ ومشقة، وحريٌّ بالأسرى الآن أن يحققوا نصرا آخر بعد أن خاضوا معركة جماعية هي الأكبر من نوعها في فلسطين منذ 70 سنة.