سلال يعود إلى منطقة القبائل بمخطط استعجالي
بعد 19 سنة، من “جفاء” أصاب علاقة السلطة بولاية بجاية، ينزل اليوم الوزير الأول عبد المالك سلال، في زيارة عمل إلى قلعة بني حماد، هذه الزيارة ذات الطابع التنموي الاقتصادي في شكلها، تحمل في طياتها ومضمونها خطابا ورسالة سياسية واضحة تفرض التساؤل، عما إذا كانت السلطة قد قررت فعلا الالتفات إلى هذه الولاية وإصلاح ذات البين معها، أم أن الزيارة كانت بدافع الحنين الذي راود سلال ابن هذه الولاية وتحديدا منطقة إيغيل علي؟
يقود اليوم الوزير الأول، وفدا وزاريا إلى بجاية، للوقوف على مدى تقدم المشاريع التنموية في محطة تعد الثامنة في زياراته الميدانية، منذ توليه تسيير شؤون الحكومة، إلا أن بجاية تختلف في جوانبها وأبعادها السياسية عن سابقاتها من الولايات .
فزيارة سلال اليوم، تعد أول زيارة لمسؤول في الدولة، عند هذا المستوى منذ 19 سنة، فالتاريخ يسجل أن رئيس الحكومة الأسبق مقداد سيفي، كان آخر مسؤول من الأوزان الثقيلة حط بهذه الولاية منذ عقدين من الزمن، وعدا ذلك فجميع رؤساء الحكومة المتعاقبين لم يدخلوها حاملين راية الجهاز التنفيذي، فلا بن فليس ولا أويحيى ولا بلخادم دخلوا بجاية كقيادات للفريق الحكومي، وعدا قبعاتهم السياسية وزعاماتهم الحزبية، اللتين فرضتا عليهم النزول لخطبة أصوات سكان هذه الولاية في محطات انتخابية متفرقة لما دخلوها.
ففي أوج الأزمة في منطقة القبائل، لم يدخل رئيس الحكومة يومها علي بن فليس، تراب هذه الولاية واكتفى بمحاولة إخماد نيرانها عن بعد باستقبال ممثلي العروش خلف جدران قصر الحكومة، وبالمقابل نزل إليها مرشحا لرئاسيات 2004.
كما لم يعد الرئيس بوتفليقة، إلى بجاية منذ الحملة الانتخابية لعهدته الرئاسية الأولى، وإذا صح القول فقد اكتفت السلطة يومها بالحفاظ على الحبل السري الذي كان يربطها بقلعة بني حماد، من خلال تمكين ابن المنطقة كريم يونس، من منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني، الذي يعتبر في لغة الساسة الرجل الثالث في الدولة.
ولاية بجاية التي تميل في انتمائها وتمثيلها السياسي إلى الأفافاس، ويزاحمها على وعائها الانتخابي الأفلان، ويشكل الأرسيدي القوة السياسية الثالثة بها بنسبة مئوية صغيرة، يعتقد أبناؤها أن منطقتهم دفعت فاتورة معارضتها للسلطة بحرمانها من المشاريع التنموية على نقيض ما حظيت به ولايات أخرى، كما تذهب قراءات أخرى إلى أن السلطة قلّمت أظافر معارضيها بهذه الولاية بطريقة سلمية، وعلى نفس النهج السلمي للمعارضة التي تمارس بها.
فالمتابعون للشأن السياسي ينظرون إلى المعارضة الممارسة بهذه الولاية للسلطة ومقاطعتها على أنها لم تخرج يوما عن صبغتها السياسية، كما لم تشهد يوما دفعا أو انزلاقا قادها إلى الشارع أو العنف، هذا المؤشر قد يكون مبعث اطمئنان لدى سلال، في إقدامه على “فتح” هذه الولاية بعد 19 سنة من المقاطعة.
مقاطعة الأوزان الثقيلة من المسؤولين في الدولة، بحجم رئيس جمهورية أو وزير أول، لم يقف جدار صد لزيارات بعض الوزراء لتفقد مشاريع قطاعاتهم، منهم وزير الأشغال العمومية عمر غول، الذي نزل للولاية في مرات عديدة، ووزير النقل عمار تو، ووزير الشؤون الدينية وعمارة بن يونس منذ 12 سنة عندما كان يشغل منصب وزير الصحة. كما أن الصبغة التاريخية لقلعة بني حماد، جعلت من زيارة وزير المجاهدين فرض عين وليس فرض كفاية، ذلك لأن في كل ثامن ماي يفرض التاريخ زيارة منطقة خراطة التي كتبت تاريخها بدماء المتظاهرين في 8 ماي 45، كما كان يفرض أيضا في كل مرة تاريخ الـ20 أوت زيارة منطقة الصومام إحياء لذكرى مؤتمر الصومام.
زيارة سلال ستعرف إعلان مخطط استعجالي استدراكي للتنمية، فبجاية التي كان يفترض أن تشكل وجهة للسياحة، تبكي اليوم حال التنمية بها فإهمال معالمها التاريخية ضرب أطنابه وهي التي شهدت ميلاد 8 دول كاملة، فقصر ابن خلدون الذي شهد كتابة جزء من مقدمته، يعاني وضعية كارثية، كما تعاني في صمت منطقة الناصرية التي أنجبت أول كاتب للنحو هو ابن معطي الزواوي، ولم يبق لهذه المنطقة من صيت سوى التسمية التي حملتها ثانوية المنطقة.
برنامج زيارة سلال لبجاية، راعى فيه طابع الرمزية التاريخية، فاختار أن يزور ضريح الشيخ الحداد، مقدم الطريقة الرحمانية الذي قاد المقاومة ضد الاستعمار، كما لن يهمل التوقف في منطقة تيشي التي شهدت الصائفة الماضية موجة احتجاجات عنيفة، نادى فيها سكانها بتطهير المنطقة من المخامر وبيوت الدعارة، فهل سينجح سلال أين أخفق غيره؟ وهل سيمكّن المخطط التنموي الاستعجالي من رأب الصدع الذي أصاب علاقة الولاية بالسلطة؟ وهل ممكن لربط الولاية بالطريق السيار، وإطلاق مشاريع سكنية وغيرها أن تكون مهرا لخطبة ود المنطقة التي ظلت “فرسا جموحا” لعقود.