الرأي

سمك .. في عيد الأضحى

في كل مناسبة دينية، يساهم الشعب مع الدولة، في تكريس ثقافة الاستهلاك، خاصة الغذائي، فالجزائريون مهتمون هذه الأيام بخروف العيد، بحالته الصحية، ووزنه وثمنه، والدولة مهتمة بتنظيم أسواق الماشية ومراقبتها البيطرية، وإمكانية استيراد الخرفان من دول بعيدة، بالرغم من أن الجميع يعلم أن الله الذي سنّ الأضحية منذ عهد الخليل عليه السلام، أكد في قوله تعالى: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبّروا الله على ما هداكم وبشّر المحسنين”، أكد بأن اللحوم التي تباع حاليا بالملايين في أسواق الماشية، وتهرّب إلى الخارج، والدماء التي ستسيل في يوم النحر، لا قيمة لها عند فارض الأضحية، الذي سخّر هذه الشعيرة الأخلاقية والاجتماعية والروحية من أجل بلوغ التقوى والتكبير والهداية والإحسان.

لا يكاد حديث المواطنين هذه الأيام، يخرج عن إطار الأضحية، ولا نقول عن عيد الأضحى المبارك، فحيوان الخروف الذي ينساه الجزائريون وتنساه الدولة الجزائرية طوال السنة، من خلال تجاهل توفير المراعي والأدوية والبيطريين، لأجل تطوير الثروة الحيوانية في الجزائر، يصير ملِكا يتحكّم في جيوب المواطنين، ويشغل بالهم، وتسيطر أسعاره بالكامل على البورصة المحلية، وعلى الحدث الإعلامي، وخاصة على الحدث الاجتماعي، ومع اقتراب يوم النحر، يصبح ثغاء أو مأمأة الخروف صوت لا يعلى عليه في شوارع المدن والقرى الجزائرية، وبدلا من أن يضحي الفرد بخروف لا فائدة من لحمه ومن دمه، يضحي بالكثير من مقوماته كإنسان سويّ، إن لم نقل بإيمانه.

في كل موسم ديني، نقدم صورة مشوهة عن الإسلام، فالصوم الظاهر هو استهلاك إلى حد التبذير، والحج الظاهر هو فوضى عارمة، والأضحية هي خرفان، تتحكم في رقاب الناس، وحولنا بمثل هاته الممارسات المشينة الكثير من الشعائر الراقية، التي شرّعها الله لأجل أن تنقل عباده حضاريا، إلى شبه رسم كاريكاتوري تتبادله شعوب العالم للتنكيت، وتضعه ضمن الحملة “الداعشية” التي أتت على أخضر ويابس الأمة.

الصينيون لأنهم يحبون تناول السمك، قالوا دائما مثلهم الشهير: “علّم ابنك كيف يصطاد السمك، قبل أن تعطيه سمكة طازجة يأكلها”، وتمكنوا فعلا من أن يحققوا الاكتفاء الذاتي في السمك، ويصدرونه لدول العالم، بينما يعلن الجزائريون قبل كل عيد عن غرامهم تجاه الخرفان، ولكنهم يصرون على أن يقدموا لأبنائهم الخروف جاهزا، من دون التفكير في كيفية تسمين هذا الخروف وتوفير وسائل تكاثره.

المشهد العام في الجزائر قبل عيد الأضحى المبارك، هو أن الأئمة يناقشون مسألة اللحوم الحمراء الطازجة والمجمدة واستيراد الأضاحي من أستراليا، والبيطريون يدرسون سلامة هاته الخرفان وهاته اللحوم القادمة من الهند، والمستوردون يدرسون أسعار وسائل نقل اللحوم من البرازيل، والمواطنون يطالبون باستيراد الماشية من السودان، وواضح أن كل القارات تعمل على حل مشكلة الجزائريين مع اللحوم والماشية ولا رجل رشيد فينا، تحدث عن كيفية تنمية الثروة الحيوانية بالطرق العلمية، أو عن الأضحية الحقيقية الوارد ذكرها في القرآن الكريم.

  في التطبيق الخاطئ لبعض الفرائض، المسلم معرض لأن يضيّع إما الدين أو الدنيا، ونخشى أن نكون قد أضعنا في الأضحية الدين والدنيا معا. 

مقالات ذات صلة