“سندريلا الفن الجزائري” .. وتنطفئ إحدى شموع الزمن الجميل
تشاء الأقدار أن ترحل الفنانة القديرة فتيحة بربار في ثاني أسبوع من العام الجديد 2015، إثر تعرضها لسكتة قلبية خلال زيارتها لابنها بفرنسا.. “سندريلا الفن” رحلت بعد نصف قرن من الإبداع “مسرحا وتلفزيونا وسينما”.
عرفت بحكمتها وكرمها وتواضعها واحترامها المطلق لجمهورها الذي اعتبرته حتى آخر لحظة من حياتها “رأس مالها” الوحيد.
حسان بن زراري: “مخلصة في عملها وتحترم حتّى التدريبات”
فتيحة بربار، سيدّة كبيرة وقامة فنية محترمة، وأعتقد بأنّ هذا هو الشيء الذي جعلها تكون في المستوى، سواء في السينما أم المسرح أم في تعاملاتها وعلاقاتها مع الممثلين والفنانين. أتذكر أنني عملت برفقتها في الفيلم الأخير للمخرج باديس فضلاء، فكانت تحترم العمل بشكل رهيب وتأتي في الوقت، وتحترم حتى التدريبات، وربما هذا هو السرّ الذي يجعل من الجميع يتحدث عنها بحب واحترام، وأنا شخصيا أحترمها كثيرا، فكانت كل يوم تراني فيه وأنا أدخن تقول لي: “يا حسان، أوقف التدخين، هو خطر على صحتك!” فحقيقة أحترمها كثيرا، كما تبادلني الشعور ذاته، خارج هذا العمل كنت ألتقيها كثيرا في المهرجانات وكنّا نتحدث عن الفن وما يترتب عليه من مشاكل وطموحات.
سيد أحمد قارة: “أشعر وكأنّها أمّي ودائما تنصحني بالعمل”
فنانة وسيدة كبيرة، معاملتي لها في العمل كانت تأخذ طابعا عائليا وأسريا وليس مهنيا، حيث أشعر كأنها أمي وأختي، أنها إنسانة قبل أن تكون فنانة، لا تبخل في عملها، أنجزت معها مسرحية “البوقالة”، حيث بصدق تعجز الكلمات عن وصفها، ليست متكبرة ولا علاقة للغرور بها، ودائما ما تنصحني وتقول لي: “سيد أحمد، اعمل ولا يهمكّ رأي الناس، فهم يتحدثون سواء عملت أم لا”. هنا تدرك أنّها تحثك على المثابرة ولا تدعك تفشل أبدا.
بن عمار بختي: “فقدنا فنانة طيبّة واجتماعية”
مسيرتها جيدة ومميزة، سواء في المسرح أم التلفزيون أم السينما، فنانة وممثلة محترفة، شاركت في مسرحيتين أنجزناهما، لها شخصية اجتماعية وامرأة طيبة إلى درجة لا توصف.
سيد علي بن سالم: “علاقتي بها كعلاقتي مع والدتي بالضبط”
المرحومة، أعرفها منذ 20 سنة، تعاملني كأولادها وتحبني كثيرا، سبق لي وأن رافقتها في أعمال “الحنين” الذي جسدت فيه دور “أمّي”، و”الانحراف” لياسين بن جملين، وآخر عمل بعنوان “الموت على الرصيف”، سنة 2014، كرمتها عام 2009، بالمسرح الوطني بحضور أبرز الوجوه الفنية والسينمائية الجزائرية، كما احتفيت بها في عيد ميلادها بالإذاعة والتلفزيون، علاقتي معها مثل علاقتي مع والدتي، صاحبة خير، متواضعة ويحبها الجميع والجمهور يرحب بها كلما التقاها.
ياسين بن جملين: “كان لي شرف العمل معها وأشكرها على الثقة”
كانت أختا وصديقة، ذات أخلاق عالية، صريحة، تحترم عملها بشكل كبير وهو ما أكدّته لي في أفلام “الانحراف” و”الهجرة” و”الحنين”. تفي بوعدها، وكنت كلما قدمت لها السيناريو كانت تقرأه وتجيب في الموعد، كما تنصحني أيضا، لذا أعتبرها مدرسة بكامل المقاييس والتاريخ يشهد عليها في زمن الأبيض والأسود فمسيرتها الفنية طويلة وشرف لي أني بلغت أن أمثلّ معها وأخرج أفلاما بمشاركتها في التمثيل، ورغم أنّها رحلت عن عالمنا إلا أنني أشكرها على الثقة التي وضعتها فيّ، وكانت تنصحني بقولها: “ياسين لا تنظر وراءك، انظر أمامك واستغل موهبتك في الكتابة لديك”.
فتح النور بن إبراهيم: “كانت قنديلا أنار الدرب لفنانات من بعدها”
“كانت فتيحة بربار وستبقى زهرة من حديقة الزمن الجميل، فتحت الطريق رغم الصعاب والأحكام المسبقة والتقاليد البالية واندفعت إلى الفن والإبداع من دون خوف وبكل عزيمة وإصرار. فكسرت الطابوهات وكانت مع ثلة من الفنانات القنديل الذي أضاء طريق الفنانات الشابات.. فتيحة بربار كان المسرح عشقها الأول.. أما السينما والتلفزيون فكان إكسسوارا فقط بالنسبة إليها. ثارت فأبدعت وفنها كان محفزا لها لخوض غمار النضال خلال الثورة التحريرية”.
الفنانة القديرة نورية: “كانت بمثابة أختي الصغرى.. 56 سنة صداقة قوية”
“فتيحة بربار هي أختي الصغيرة، عرفتها سنة 1959 عندما كانت تلميذة عند زوجي مصطفى قصدرلي في الكونسرفاتوار.. ومنذ ذلك الوقت ظلت العلاقات بيننا قوية وعائلية. هي إنسانة قوية وحنونة ورحيلها المفاجئ كان صدمة حقيقية علينا جميعا. توقف قلبها فجأة ولم تكن تشعر بأي توعك، حيث زارتني منذ شهر تطمئن على صحتي وكعادتها كانت تتحدث وتمازحني رحمها الله وأسكنها فسيح جناته”.
نادية طالبي: “وفية لصداقاتها ومتواضعة ومحبة لجمهورها”
“فتيحة كانت امرأة جميلة شكلا ومضمونا، إنسانة وفية جدا في صداقاتها ومعطاءة. تعرفت عليها منذ التحاقها بالمسرح الوطني ولا أذكر أي لحظة شجار أو تخاصم بيننا. فتيحة رحمها الله إنسانة ملتزمة بواجباتها تجاه المحيطين بها وكنت استمتع جدا بالحديث إليها. مؤخرا ذهبنا معا إلى مدينة سوق أهراس، حيث كرم “مصطفى كاتب”، ثم عرجنا على مدينة سطيف، حيث كرمنا مهرجان الأغنية السطايفية الذي رفع طبعته هذه السنة لروح الفقيد سمير السطايفي. كانت فنانة بمعنى الكلمة، تحب جمهورها جدا وتلبي كل الدعوات.. باختصار الجزائر فقدت قامة فنية لا تعوض”.
سيد أحمد أڤومي: “تألمت كثيرا لرحيل أغلى صديقة ورفيقة درب”
“فقدنا صديقة ورفيقة درب مميزة، امرأة متخلقة ومتواضعة ورزينة.. عرفتها في بداياتها الفنية وبالضبط من خلال الأفلام القصيرة التي كان ينتجها التلفزيون وطبعا في المسرح وفي الحياة أيضا، حيث كنت صديقا مقربا من عائلتها وزوجها، وكنا نلتقي في فرنسا من حين لآخر. تألمت كثيرا عند سماع خبر وفاتها وألقيت عليها النظرة الأخيرة في فرنسا. رحلت فقيدة الفن التي وهبت كل عمرها للفن وعاشت له حتى اللحظات الأخيرة من حياتها”.
مصطفى عياد: “كانت إنسانة حنونة وكريمة.. وهبت حياتها للفن”
“فتيحة إنسانة حنونة جدا وتتأثر بسهولة بهموم الناس وتبكي معهم وتبادر إلى مساعدتهم بما استطاعت. حبها للجمهور غير طبيعي، وكذلك كان والدي رويشد -رحمه الله- كانت امرأة شجاعة جدا ولم تتوقف عن العمل أبدا رغم ارتباطاتها العائلية إلى أن توقف قلبها وفارقت الحياة فجأة.
ساهمت في تأسيس جمعية “أحباب رويشد” واخترناها رئيسة للجمعية لتحليها بالحكمة والاحترافية. كانت من بذل كل الجهود لتنظيم الجولة الفنية لـ”البوابون” في فرنسا. كانت صديقة وأختا غالية جدا ولا يمكنني أن أفيها حقها مهما قلت، جمعني بها آخر عمل رفقة أڤومي وصونيا في “كسكس بلادي”، وكنت أحب أن استفزها حتى ترد علي كعادتها “يا الغيور” ولم تكن من أصحاب الشللية في الوسط الفني ولا تحب المشاكل.. رحمها الله وأسكنها فسيح جناته”.
بهية راشدي: “كان حلمها أداء مناسك العمرة وستذكرني دائما “بالشوكلاطة”
“الساحة الفنية الجزائرية فقدت ممثلة وفنانة كبيرة، هي إنسانة طيبة ومثقفة رائعة، كانت تحب جيل زمانها وجيل اليوم من الشباب، أتذكر أنّه كانت لدينا مشاريع معا، منها أداء مناسك عمرة، تكفلت بها بلدية سيدي مجمد، وبقينا سنتين، لكن للأسف لم تحقق هذا الحلم، فتيحة إنسانة خجولة جدا، أحب شخصيتها وأناقتها، من القليلات اللواتي يحترمن الفن والعمل، بعيدا عن الفن تحكي لي عن أسرتها وأولادها، وكيف قامت بتربيتهم تربية حسنة، فبالطبع فقدنا فنانة من الطراز العالي.
أذكر فقط أنّ العمرة كانت مشروعها وحلمها، حيث كانت دوما تدعو لنا في صلاتها، فذات يوم بمدينة سعيدة خلال دعوتنا من طرف مديرية الثقافة للمدينة، غضبت من إحدى الفنانات وصعدت مباشرة إلى غرفتي وتأثرت كثير مما وقع، فجاءت إليّ المرحومة فتيحة بربار وقالت لي “لا تغضبي، فقد جلبت لك الشوكولاطة”، لأنها تعرف أني أحب الشوكولاطة، فبالفعل هي سيدة ودودة جدا وديبلوماسية في تعاملها، فقبل أن تمنحني الشوكولاطة، قالت لي سأصلي، وأثناء انتهائها من الصلاة، قلت لها لقد صليت العصر بأربع ركعات، فنحن على سفر، فردّت عليّ: “دبري على روحك”، وهذه حادثة طريفة لا أنساها أبدا، لكن مما لا يعرف في جانبها الإنساني أنّها كانت كثيرة الصمت، وتحب الشباب الواعد، وذات يوم ذهبنا إلى مؤسسة التلفزيون الجزائري وقالت لي أين نحن؟ ولمّا أجبتها، ردّت: “نحن في مكان الموتى”، لماذا لا يعلقون صورا لنا، أريد أن أرى صورتي قبل أن أموت”.