سوريا.. تصادم الإرادات وتقاطع المصالح
يُعدّ المشرق العربي من أهمِّ المناطق الإستراتيجية، ذات الموقع الجيو سياسي في حسابات القوى العظمى في العالم عبر التاريخ، والتي تتقاطع فيه الأبعاد الدينية والخلفيات التاريخية والهويات العِرقية، وتتداخل فيه الجغرافيا السياسية ضمن زخم المصالح الاقتصادية والكنوز الطاقوية. لقد كان محلَّ تصادم الإرادات الدولية قديمًا، مثل الصراع المخلَّد قرآنيًّا بين “الفرس” كمعسكرٍ شرقي، و”الروم” كمعسكرٍ غربي، وقد نزلت فيه سورةٌ قرآنية مكّية ضمن ذلك الفقه السياسي في العلاقات الدولية والصراعات العالمية، وهي “سورة الروم”.
هو الآن يشهد التصادم ذاته بين الإرادات الدولية وتقاطع المصالح الإقليمية، وفي قلبه عاصمة الشام: سوريا، وهي إحدى الحواضر التاريخية والعواصم العالمية في التاريخ الإسلامي، إذْ تشرَّفت بفترةٍ زمنيةٍ مباركةٍ كعاصمةٍ للخلافة والحضارة الإسلامية في عهد الأمويين، وهي ثاني خلافةٍ في تاريخ الإسلام، والتي استمرَّت 91 سنة، وذلك من سنة (41 هـ) إلى سنة (132 هـ)، وكانت عاصمتها: دمشق، والتي بلغت حدودها في عهد الخليفة “هشام بن مروان” من حدود الصين شرقًا إلى أوروبا غربًا. وبقيت سوريا إلى الآن ساحةً للتنافس الإقليمي والتدافع الدولي، إذْ أنّ هناك قوى فاعلة في ميزان الصراع السوري اليوم، وهو ما يحتاج إلى عمليةٍ لكشف خيوط الاتصال وخطوط الانفصال بينها في ظلِّ التطوُّرات المتسارعة الأخيرة، والتي كان عنوانها الأبرز: سقوط النظام السوري المتهالك، في اليوم الفارق في تاريخ سوريا يوم 08 ديسمبر 2024م.
لم يكن وجود نظام الأسد يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للكيان الصُّهيوني أو لأمريكا، ورغم ذلك جرى التخلِّي عنه لهدفٍ أسمى، وهو: القضاء على وجود إيران وحزب الله، وقطع طرُق الإمداد بينهما عبر سوريا. وصبّ التدخل العسكري الصُّهيوني في سوريا، بضرب الوجود الإيراني وحزب الله، في صالح المعارضة، من غير اتفاقٍ أو تحالفٍ مع العدو الصُّهيوني، فهو في الظاهر مجرد التقاءٍ في العدو المشترك.
ويمكن التأريخ لهذا الانهيار المذهل للنظام السوري بورطة روسيا في مستنقع أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022م، وحالة الاستنزاف الكبيرة التي أدَّت إلى استهلاك قوَّتها العسكرية، من دون حسمٍ في هذا التصادم غير المباشر مع حِلف الناتو، وهو ما رصدته المعارضة السورية بتراجع النشاط العسكري الروسي في دعم النظام، كما كان لتداعيات معركة “طوفان الأقصى” منذ 7 أكتوبر 2023م أثرُها على النظام السوري وحلفائه، ثمَّ كانت لتطوُّرات الدعم الغربي لأوكرانيا باستخدام الأسلحة بعيدة المدى، والسَّماح بتنفيذ هجماتٍ في العمق الروسي دخلٌ في قناعة روسيا بأولوية الخاصرة الأوكرانية على مصالحها في سوريا. ويمكن الوقوف على حقيقة القدرة والإرادة بين القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في سوريا، وتلخيصها على النحو التالي:
1/ التدخُّل الإيراني:
تدخَّلت إيران ورَمَت بكامل ثقلها في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية (السِّلمية والمسلَّحة) سنة 2011م، على اعتبار أنها مؤامرةٌ غربيةٌ صهيونيةٌ على محور المقاومة، وأنَّ أيَّ تغييرٍ للنظام في سوريا هو تهديدٌ حقيقي لهذا المحور الممتدّ من إيران إلى لبنان، مرورًا بالمجال الحيوي وهو سوريا، فتدخَّلت بشكلٍ مباشرٍ بواسطة “الحرس الثوري الإيراني”، أو غير مباشرٍ عبر حلفائها في العراق ولبنان، وعلى رأسها: حزب الله، والحشد الشعبي العراقي والميليشيات الشيعية الأخرى، إلاَّ أنَّ معركة “طوفان الأقصى” فاجأتها، إذْ لم تكن ترغب فيها في هذه المرحلة الحسَّاسة، والمرتبطة أساسًا بربح الوقت والمناورة من أجل برنامجها النووي، فقد تعرَّضت إلى ضربات مؤلمة من التحالف الصُّهيو- غربي، سواء في الداخل الإيراني أو في الساحة السورية أو في المواجهة الشرسة مع حزب الله في لبنان أو بالضغط الأمريكي على الفصائل الشيعية العراقية، كلُّ ذلك أدَّى إلى تغيُّر الموقف الإيراني من دعم النظام السوري، الذي تهاوَى جيشُه فلم يُغرِ بدعمه. كما أنَّ العامل الداخلي، وهو تطوُّرات موازين القوى في منظومة الحكم في إيران بين المحافظين والإصلاحيين، واحتدام التدافع بينهما، أدَّى إلى التغيير في السياسة الخارجية لصالح الإصلاحيين، بعد التتويج بانتخاب الرئيس الإصلاحي الجديد (مسعود بزشكيان) يوم 6 جويلية 2024م، بعد الوفاة الغامضة للرئيس المحافظ “إبراهيم رئيسي” يوم 19 ماي 2024م. كما أنَّ ما تعرَّض له “حزب الله” في الحرب الأخيرة، والتي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان يوم: 27 نوفمبر 2024م دورٌ في تأثُّر الرَّغبة والقدرة على دعم الأسد وإنقاذه. كما أنّ هناك خلافاتٍ بين محور إيران- حزب الله والنظام السوري، وكان أظهرها عدم انخراطه كجبهةِ إسنادٍ في معركة “طوفان الأقصى”، بالرَّغم من تعرُّضه للانتهاكات الصُّهيونية المستمرة، وكذا تقاربه مع محور التطبيع، وكان الثمن هو العودة إلى الجامعة العربية يوم 19 ماي 2023م، بعد تجميد عضويته منذ نوفمبر 2011م. كما أنَّ أولوية النظام السوري بدأت تميل إلى تدفُّق الاستثمارات العربية أكثر من حاجته إلى الميليشيات الشيعية، بالإضافة إلى حالة الابتزاز الإيراني بالديون المقدَّرة ما بين 30 إلى 60 مليار دولار، والتي تريد استردادها كاستثماراتٍ أو أخذها كأراضٍ في سوريا. وأنَّ هناك مخاوف إيرانية جدِّية من التدخُّل بعد انهيار الجيش السوري، والخشية من التصادم مع تركيا، وضبابية الموقف الروسي وإكراهاته في أوكرانيا.
2- التدخُّل الروسي:
كان تدخُّلُ روسيا في سوريا في سبتمبر 2015م جرعة حياةٍ جديدة لنظام الأسد، مما عزَّز من وجودها ونفوذها، وخاصة في قاعدتي “حميميم” الجوية، و”طرطوس” البحرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، إلاَّ أنَّ انشغال روسيا بأوكرانيا منذ 2022م، وعدم قدرتها على الحسم إلى الآن، جعل المستنقع السوري حالة استنزافٍ غير مجدية، أكثر منها مصلحة روسيةً حقيقية، وأنَّ تفهُّمًا روسيًّا كبيرًا للدور التركي المتصاعد في سوريا، في مواجهة الخصم المشترك، وهي: أمريكا الداعمة للأكراد، وأنَّ هناك اتفاقًا ضمنيًّا بين روسيا وتركيا في تحجيم النفوذ السياسي والعسكري الإيراني، وأنَّ هناك ملفاتِ اختلافٍ بين روسيا وإيران، منها: دعم روسيا لأذربيجان في حقِّها في الممرّ البرِّي بين عاصمتها وإقليم “ناخشوان” ذي الحكم الذاتي، والذي اعتبرته إيران تغيُّرًا جيو سياسيًّا يشكِّل خطًا أحمر بالنسبة إليها، كما أنَّ الرئيس الإيراني الجديد أعلن نهاية سبتمبر الماضي بالأمم المتحدة أنَّ إيران لم تؤيد مطلقًا العدوان على أوكرانيا.
3- التدخُّل الصُّهيو– أمريكي:
وتعدّ “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد) الكردية في شمال شرق سوريا الأداة في هذا الوجود، وهي التي تسيطر على نحو 40 بالمائة من مساحتها، ويتمركز الوجودُ الأمريكي في المنطقة الأكثر ثروة مائيًّا وطاقويًّا في سوريا، خاصة وأنَّ العقوبات على نظام الأسد أدَّت إلى إضعافه ماليًّا واقتصاديًّا. لم يكن وجود نظام الأسد يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للكيان الصُّهيوني أو لأمريكا، ورغم ذلك جرى التخلِّي عنه لهدفٍ أسمى، وهو: القضاء على وجود إيران وحزب الله، وقطع طرُق الإمداد بينهما عبر سوريا. وأدَّى التدخل العسكري الصُّهيوني في سوريا، بضرب الوجود الإيراني وحزب الله، إلى التأثير في تطورات الأحداث الأخيرة، والتي صبَّت في صالح المعارضة، من غير اتفاقٍ أو تحالفٍ مع العدو الصُّهيوني، فهو في الظاهر مجرد التقاءٍ في العدو المشترك.
4- التدخُّل التركي:
لا شكَّ بأنَّ هناك تدافعًا تركيًّا- إيرانيًّا في المنطقة عمومًا وفي سوريا خصوصًا، بسبب السياسات التوسُّعية النشطة للدولتين القوميتيْن، إلا أنَّ مقاربة العلاقات بينهما اتَّسمت بقدرٍ عالٍ من العقلانية والبراغماتية، وفصل دوائر التدافع عن دوائر التعاون. وهناك اصطدامٌ تركيٌّ إيرانيٌّ في العراق، وتحديدًا في مشروع طريق التنمية الذي يربط بين العراق وتركيا، والذي تعارضه إيران بشدَّة، وهو مشروعٌ يحقق تقاربًا استراتيجيًّا بينهما على حسابها، بالإضافة إلى دعم إيران للنظام السوري الرافض لأيِّ مبادرةٍ سياسيةٍ تركيةٍ لحلِّ أزمتيْها مع خطر “الوجود الكردي المسلَّح” في سوريا على مسافة حدود جغرافية بين البلديْن تفوق 900 كلم، وملف اللاجئين السوريين، والذي بلغ عددهم في تركيا أكثر من 03 ملايين لاجئ، وتأثيراته على التدافع السياسي الشرس والوضع الاقتصادي الصَّعب في الداخل التركي، والذي كاد أنْ يعصف بالمستقبل السياسي لأردوغان، ومستقبل تركيا بأكملها. وكان لدعم تركيا للمعارضة السورية دورٌ كبيرٌ في حسم هذه التحوُّلات الكبرى وسقوط نظام الأسد ضمن تفاهماتٍ دوليةٍ وإقليمية صبَّت في النهاية في هذا الواقع الجديد.
5- التدخُّل العربي:
كان هناك دعمٌ عربي للمعارضة السورية لإسقاط النظام السوري المتحالف مع إيران منذ بداية الربيع العربي سنة 2011م، وخاصة من قطر والسعودية، إلا أنَّ التدخل الروسي سنة 2015م حسم الصراع لصالح النظام، وهو ما ساهم في تغيير مواقف الدول العربية باتجاه التطبيع مع سوريا.
التقارب الخليجي مع روسيا في ظل التراجع الأمريكي في المنطقة، وخاصة في ضبط إيقاع أسعار النفط في العالم، ودخول الصين على خط السياسة والعسكرة الدولية في المنطقة، والتنافس على إعادة إعمار سوريا، والذي يُقَّدر بنحو 400 مليار دولار، عبر سياسة (الحوافز بدلاً من العقوبات)، ومحاولات طي صفحة الربيع العربي، والقضاء على ما يسمى “الإسلام السياسي” هو المبرِّر الأبرز في هذا الحضور العربي في الساحة السورية.
وكان لتوجُّه السعودية إلى تصفير أزماتها في المنطقة، ومنها: إنهاء أزمة حصار قطر سنة 2021م، وعودة العلاقات السعودية- الإيرانية عبر اتفاق بكين في مارس 2023م، ووقف التدخُّل العسكري في اليمن، والعلاقات مع روسيا وخاصة ضمن أزمة أسعار البترول، كان له دورٌ في الاتجاه التصالحي مع الأسد. وقد بدأت محاولات التطبيع مع النظام السوري، بعد خروج الدور العربي من المعادلة، وأظهرُه اتفاق أستانا بين إيران وروسيا وتركيا ابتداءً من 2017م، مما استدعى إعادة المقاربة في التدخُّل، وكانت عودة سوريا إلى الجامعة العربية في ماي 2023م، بعد 12 سنة من الغياب عنوانًا لذلك.
كان لخطر النفوذ الإيراني في سوريا، واستمرار تأثيرات الأزمة السورية على الدول العربية، ومنها: إشكالية اللَّاجئين، والخشية من نجاح الثورة السورية وتصديرها، وإنتاج وتهريب الحبوب المهلوسة من النظام السوري، والأدوار الوظيفية المطلوبة منها، الأثر في التدخُّل العربي في الأزمة السورية. لكن بالمقابل كان للشعور بالتخلي الأمريكي عن هذه الدول، مثل تراجع أوباما عن ضرب النظام السوري بسبب استخدامه للسلاح الكيميائي سنة 2013م، والمفاوضات السرية بين أمريكا وإيران على الاتفاق النووي سنة 2013م ورفع العقوبات عنها، وعدم المساعدة الأمريكية في عهد “ترامب” على ضرب الحوثيين في هجومهم على منشآت النفط السعودية “آرامكو” سنة 2019م، والتصريحات الأمريكية المعادية للسعودية في عهد “جو بايدن” على خلفية اغتيال الصحافي “خاشقجي” في أكتوبر 2018م، والوعد بإحياء الاتفاق النووي الإيراني، ورفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب، ووقف تصدير الأسلحة الهجومية إلى السعودية، والضغط لوقف الحرب في اليمن، كلّ ذلك كان له دورٌ في هذا التطبيع مع النظام السوري، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية. كما أنَّ التقارب الخليجي مع روسيا في ظل التراجع الأمريكي في المنطقة، وخاصة في ضبط إيقاع أسعار النفط في العالم، ودخول الصين على خط السياسة والعسكرة الدولية في المنطقة، والتنافس على إعادة إعمار سوريا، والذي يُقَّدر بنحو 400 مليار دولار، عبر سياسة (الحوافز بدلاً من العقوبات)، ومحاولات طي صفحة الربيع العربي، والقضاء على ما يسمى “الإسلام السياسي” هو المبرِّر الأبرز في هذا الحضور العربي في الساحة السورية.
انهيار الجيش السوري بما لم يشجِّع حلفاءه على إنقاذه، ووضع سوريا الاقتصادي والاجتماعي المنهار، والذي أحيَا المطلب الأساسي بإسقاط النظام، فهناك أكثر من 12 مليون سوري بين لاجئ ونازح، و90% ممن يخضعون لسيطرة النظام يعيشون تحت مستوى خط الفقر، وكذا حجم الفساد والاستبداد والظلم الذي تعرَّضت له كلُّ مكوِّنات الشعب السوري، وتعزيز المعارضة لقوَّتها وسمعتها في إدلب بما يكفي لعدم وقوف الخارج ضدَّها، وقراءتها الصحيحة لهذه اللحظة التاريخية الدقيقة، كان لها دورٌ بارزٌ أيضًا في هذا الإنجاز التاريخي للشعب السوري.
لقد كان السقوط المدوِّي لنظام الأسد في 12 يوما، رغم صموده لمدة 13 سنة من الثورة، و54 سنة من الحكم العائلي، عوامل خارجية واضحة في تغيُّر موازين القوى المحيطة والمتداخلة في سوريا، إلا أنَّه لا يمكن إعدام العوامل الداخلية والذاتية للنظام نفسه، وهي: انهيار الجيش السوري بما لم يشجِّع حلفاءه على إنقاذه، ووضع سوريا الاقتصادي والاجتماعي المنهار، والذي أحيَا المطلب الأساسي بإسقاط النظام، فهناك أكثر من 12 مليون سوري بين لاجئ ونازح، و90% ممن يخضعون لسيطرة النظام يعيشون تحت مستوى خط الفقر، وكذا حجم الفساد والاستبداد والظلم الذي تعرَّضت له كلُّ مكوِّنات الشعب السوري، وتعزيز المعارضة لقوَّتها وسمعتها في إدلب بما يكفي لعدم وقوف الخارج ضدَّها، وقراءتها الصحيحة لهذه اللحظة التاريخية الدقيقة، كان لها دورٌ بارزٌ أيضًا في هذا الإنجاز التاريخي للشعب السوري.
التحدِّي الأكبر.
إلاَّ أنَّ التحدِّي الأكبر للسُّلطة الجديدة في سوريا هو مدى استقلاليتها وسيادتها في مشروعها التحرُّري، ومدى قدرتها على إدارة علاقاتها مع كلِّ هذه الفاعلين الإقليميين والدوليين لصالح الشعب السوري، والكفاءة في معالجة التركة المسمومة لعهد الأسد (الأب والابن) طيلة 54 سنة، ومخلّفات هذه الأزمة الدموية طيلة 13 سنة، والحذَر من أجندات سرقة الثورة، ومصادرة المستقبل، وخطيئة عدم القطيعة مع الماضي، كلُّ هذا مع استمرار الأطراف الخارجية في الضغط والتدخُّل من أجل الاستفادة القصوى من التغيير الذي حصل في سوريا.