سيارات 3 سنوات و”الكابة” والدراسة… قصص الجزائريين في الصين!
لم تعد الصين بالنسبة لكثير من الجزائريين مجرد بلد بعيد يأتون منه بالسلع، ولا مجرد محطة عابرة لشراء الملابس أو الإلكترونيات أو قطع الغيار، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تحولت الرحلة إلى الصين بالنسبة إلى فئات متزايدة من الجزائريين إلى تجربة لها تفاصيلها الخاصة، تبدأ بتأشيرة وحقيبة سفر، ثم تنفتح على مدن وأسواق ومصانع وعلاقات جديدة، وقد تنتهي بسيارة تقل عن ثلاث سنوات، أو بحاوية مليئة بالبضائع، أو بشراكة تجارية، أو حتى بقرار البقاء لفترة أطول.
يصل بعضهم إلى الصين بحثا عن سيارة، بعد ما أصبح استيراد السيارات الأقل من ثلاث سنوات مجالا يستقطب تجارا ووسطاء جزائريين، فيما يأتي آخرون في إطار نشاط الاستيراد المصغر، حاملين قوائم طويلة من الإلكترونيات والملحقات والسلع التي يريدون إدخالها إلى السوق الجزائرية، وهناك من يأتي بحثا عن مصنع، أو مورد موثوق، أو فرصة لتوسيع نشاط بدأه في الجزائر.
لكن في قصة الجزائري في الصين، الهاتف يصبح جزءا من الحياة اليومية، ومن خلال “وي تشات” يدخل التاجر إلى مجموعات تضم جزائريين وصينيين، يتبادل معهم عناوين الأسواق وأسماء الموردين وأسعار الشحن، ويتعرف إلى مدينة جديدة قبل أن يزورها أحيانا، يدفع ثمن وجبته ومشترياته عبر “وي تشات” أو “علي باي”، يتنقل بين المدن التجارية، يتعلم بعض الكلمات الصينية التي يحتاجها إلى جانب الإنجليزية في التفاوض، ثم يعود إلى الفندق حاملا عينات أو فواتير أو عروضا جديدة، وفي ذهنه حسابات الصفقة المقبلة.
وفي الصين أيضا، لا تنتهي الحكاية دائما بعودة صاحبها إلى الجزائر، هناك جزائريون اختاروا الإقامة لأشهر أو سنوات، بعضهم جاء طالبا للعلم، ثم وجد نفسه يفكر في العمل، وآخرون دخلوا إلى الجامعات الصينية وتعلموا اللغة وانخرطوا تدريجيا في تفاصيل الحياة اليومية.
وهناك تشكلت جالية لها شبكاتها الخاصة، تلتقي في مجموعات التواصل، وتتبادل المساعدة والمعلومات، وتجد في المدن الصينية مساحات جديدة للحياة والعمل، من غوانزو إلى شنزن وإيوو، ومن مصانع السيارات إلى أسواق الإلكترونيات والسلع الصغيرة، تبدو الصين أمام الجزائريين اليوم كخريطة واسعة، فكل مدينة لها تخصصاتها، وكل سوق لها قواعدها، وكل مورد له طريقته…
من اختيار السيارة إلى الحاوية… مفاتيح الصفقة الرابحة
في بكين تحدثنا إلى تاجر السيارات سامي رحالي، صاحب وكالة “سامي أوتو شين”، وحينما أخبرنا عن تجربته في الصين، لم يبدأ بالسيارات ولا بالأسعار، وإنما بالصورة التي كونها عن البلد بعد سنوات من التعامل مع سوقه، فالرجل الذي ينشط كتاجر ووسيط للسيارات الجديدة والمستعملة، إلى جانب قطع غيار السيارات وأكسسواراتها، يرى أن الصين ليست مجرد وجهة تجارية، وإنما بلد آمن ومريح ومتطور، يلفت الزائر فيه مستوى التنظيم واتساع إمكانات العمل، خاصة بالنسبة للتاجر الذي يعرف كيف يدخل إلى السوق ويبحث عن الشريك المناسب.
ويقول سامي رحالي إن تجربته في الصين جعلته يكتشف سوقا واسعة ومتنوعة، تضم شركات وموردين بمستويات مختلفة، إلى جانب تطور كبير في صناعة السيارات وتعدد العلامات والطرازات الموجهة ليس فقط للسوق الصينية، وإنما لأسواق خارجية أيضا، من دول الخليج العربي إلى شمال إفريقيا وأوروبا وجل العالم، ومن هنا بدأت قصته مع السيارات الصينية.
منذ سنتين، دخل سامي رحالي عالم السيارات القادمة من الصين، بعد ما راكم تجربة طويلة في التجارة امتدت لعشر سنوات في مجال قطع الغيار وأكسسوارات السيارات، فيما تعود علاقته بالتجارة مع الصين إلى سنة 1994، عندما بدأ أفراد من عائلته العمل في تجارة الملابس بالجملة، وكان دخوله إلى الصين برفقة ابن عمه وابن خاله، وهما تاجران ينشطان في تجارة الملابس بالجملة منذ ذلك التاريخ، محطة مهمة في مساره، إذ يقول إنهما ساعداه كثيرا على فهم طريقة العمل داخل السوق الصينية، والتعامل مع الصينيين، والتفاوض مع الموردين، وفهم آليات التجارة والشحن.
واليوم، يتركز نشاط سامي على توفير السيارات الجديدة، إلى جانب السيارات المستعملة التي يقل عمرها عن ثلاث سنوات، فضلا عن قطع الغيار والأكسسوارات، ويبحث سامي، حسب احتياجات زبائنه، عن طرازات مختلفة وبأسعار تنافسية، من بينها سيارات شيري، جيلي كولراي، إم جي 5 وغيرها، غير أن السنوات التي قضاها في هذا النشاط جعلته يكتشف أن الوصول إلى السيارة المناسبة ليس هو الجزء الأصعب في الصفقة، وإنما معرفة الطرف الذي سيشتريها منه.
فالسوق الصينية، حسب تجربته، تضم شركات وموردين كبارا يملكون خبرة طويلة في بيع السيارات وتصديرها إلى الخارج، إلى جانب موردين أصغر يشتغلون داخل الصين فقط ولا يملكون التصريح الخاص بالتصدير الدولي، وهناك أيضا مكاتب أعمال تعرض على الزبون مختلف أنواع السيارات الجديدة والمستعملة وتتولى استقبال الطلبات، بينما تختلف شروط الدفع من شركة لأخرى، إذ يطلب بعضها دفع جزء من المبلغ مسبقا، في حين قد يطلب آخرون كامل قيمة السيارة، وهنا يضع سامي أهم قاعدة خرج بها من تجربته، لا تجعل السعر المنخفض وحده معيار اختيارك، فالسعر المغري جدا، في رأيه، لا يعني بالضرورة أنك أمام أفضل صفقة. ويحذر من شركات وموردين حديثي العهد ببيع السيارات، لا تتجاوز خبرة بعضهم سنة واحدة، قد يقدمون تخفيضات كبيرة لاستقطاب الزبون، قبل أن تنتهي الصفقة بمشكلات أو بخسارة الأموال، حسب ما يقول، ولهذا، أصبح يبحث قبل أي تفاوض عن الشركات الكبيرة التي تتمتع برأس مال معتبر، وسمعة جيدة داخل الصين، وخبرة حقيقية في مجال السيارات والتصدير الدولي، والأهم أن تكون لديها القدرة القانونية على تصدير السيارات إلى الخارج.
وبالنسبة إليه، فإن الثقة والضمان وسرعة إنجاز الإجراءات والشحن تأتي قبل السعر، ويقول إن عمله يقوم على البحث المستمر عن الشركات والموردين الصينيين ذوي الخبرة، والتفاوض معهم مباشرة، ويفضل أن يكون التفاوض مع مدير الشركة أو مالكها، خاصة عندما يتعلق الأمر بكميات أكبر، لأن حجم الطلب يمكن أن يفتح المجال للحصول على أسعار أكثر تنافسية.
ولا يعتمد سامي في هذه المهمة على نفسه وحده، إذ يعمل معه صينيان لديهما خبرة في مجال السيارات، يرافقانه إلى الشركات والموردين ويساعدانه في البحث عن المؤسسات المناسبة من حيث الموثوقية والسعر والخبرة، مقابل عمولة يتفق عليها معهم.
أما في الجانب المالي، فيعتمد في تعاملاته على الدفع المرحلي، وليس تحويل كامل قيمة السيارات منذ البداية.
سيارة بسعر مغر قد لا تكون الهدف… وهذه المعايير
ومن الموانئ الصينية تبدأ رحلة السيارات نحو وجهتها الخارجية، إذ يعتمد الوسطاء حسب مسار الشحنة، على موانئ مثل نانشا أو شنغهاي أو تيانجين، فيما يستغرق الشحن البحري من نانشا أو شنغهاي، وفق تقديره، بين 32 و45 يوما كحد أقصى.
أما السيارات الجديدة، فيقول إن تجهيز وثائقها واستكمال إجراءات التصدير يمكن أن يتم في مدة تتراوح بين سبعة وعشرة أيام، في حين تحتاج السيارات المستعملة التي يقل عمرها عن ثلاث سنوات إلى فترة أطول، قد تمتد بين 15 و20 يوما، بسبب الإجراءات والوثائق المرتبطة بها، ويؤكد رياض أن الوصول إلى أسعار تنافسية لا يأتي فقط من البحث عن سيارة بسعر منخفض، وإنما يحتاج إلى خبرة في التفاوض ومعرفة بالسوق وقدرة على التواصل، ولذلك، يرى أن التاجر الذي يأتي إلى الصين للاستيراد يحتاج إلى معرفة جيدة باللغة الإنجليزية، وإلى خبرة سابقة في التجارة والتفاوض، حتى يستطيع التمييز بين العرض الحقيقي والصفقة التي تبدو مغرية على الورق فقط.
ومع اتساع نشاطه، أصبح رياض يتعامل مع شركات كبرى وموردين في عدة مدن صينية، من بينها غوانزو وشنغهاي وتشونغتشينغ وتيانجين، بحثا عن السيارات التي تجمع بين السعر التنافسي والقدرة على التصدير، وبعد هذه التجربة، يختصر المتحدث ما تعلمه في السوق الصينية في قاعدة واحدة، السيارة ليست هي كل الصفقة، فالمهم أن تعرف من يبيعها لك، وهل يملك فعلا الخبرة والقدرة القانونية على إخراجها من الصين. ففي سوق واسعة مثل السوق الصينية، قد يكون الفرق بين صفقة رابحة وأخرى مكلفة ليس في سعر السيارة وحده، وإنما في الشركة التي تقف خلفها، وفي الوثائق، وطريقة الدفع، وخبرة المورد، وقدرته على الوفاء بما وعد به.
من غوانزو للملابس إلى شنزن للإلكترونيات وإيوو للسلع الصغيرة
ويقول أحمد مرابط، إن التاجر الذي يأتي إلى الصين للمرة الأولى قد يعتقد أن الوصول إلى السلعة الرخيصة أمر بسيط، قبل أن يكتشف أن اتساع السوق الصينية يجعل معرفة المكان الصحيح نصف الطريق إلى الصفقة، فالصين، حسب تجربته، ليست سوقا واحدة، وإنما مدن ومناطق متخصصة، لكل واحدة منها نشاطها وأسعارها ومصانعها، ولذلك فإن التاجر الذي لا يعرف هذه الخريطة قد يجد نفسه يشتري بأسعار أعلى بكثير مما كان يمكن أن يحصل عليه لو وصل إلى المصدر المناسب.
ويشرح أن هذه الخصوصية تظهر بوضوح في المدن التجارية والصناعية، فغوانزو تعد من أبرز مراكز الملابس والنسيج والأحذية والحقائب، بينما تشتهر شنزن بالإلكترونيات والهواتف وملحقاتها والتكنولوجيا، وتعد إيوو وجهة رئيسية للسلع الصغيرة والهدايا والإكسسوارات والأدوات المنزلية، أما فوشان فتبرز في الأثاث والسيراميك والأدوات الصحية ومواد البناء، في حين تشتهر شانتو، ولاسيما منطقة تشنغهاي التابعة لها، بصناعة الألعاب، وتعرف هوتشو بصناعة المنسوجات والحرير، فيما تبرز ونتشو في الأحذية والنظارات وبعض المنتجات الكهربائية.
ويقول إن معرفة هذه الخريطة تختصر على التاجر كثيرا من الوقت والمال، لأن من يعرف مسبقا نوع السلعة التي يبحث عنها يستطيع التوجه مباشرة إلى المنطقة التي تتركز فيها مصانعها وموردوها، بدلا من الاكتفاء بالتجول في الأسواق والمحلات، ويضيف أن الفارق يظهر أيضا عند المقارنة بين الشراء من المحلات والشراء مباشرة من المصنع أو من فروع الشركات، فالتاجر الكبير، كما يقول، يستطيع الحصول على سعر الجملة، لأنه يشتري كميات أكبر ومن المصدر مباشرة، بينما قد يشتري شخص آخر من محل وبسعر التجزئة، فيجد أن السلعة التي اشتراها من الصين ليست بالضرورة أرخص من سعرها في الجزائر.
وينطبق الأمر، حسبه، على مختلف المجالات، من الملابس والنسيج إلى قطع الغيار والإلكترونيات والهواتف وغيرها من السلع، إذ يمكن أن تختلف الأسعار بشكل كبير حسب المكان وطريقة الشراء والكمية والعلاقة مع المورد.
علي بابا… أول خطوة لاكتشاف المصنع والمورد
ويقول عبد النور إن احتكاكه بشركات أوروبية جعله يكتشف أن عددا من المنتجات التي تسوق في أوروبا مصدرها المصانع الصينية نفسها، وأن الفرق يكمن في شروط الشراء والمواصفات ومراقبة الجودة والعلامة التجارية، ومن هنا، قرر الاستفادة من خبرته في المجال والعودة إلى المصدر مباشرة، بهدف الحصول على السلعة بسعر أقل مع الحفاظ على الجودة المطلوبة.
وكانت بدايته، كما يروي، من خلال منصة “علي بابا”، حيث بدأ بالبحث عن الموردين والتواصل معهم، قبل أن تتطور تجربته وتتحول الاتصالات الأولى إلى علاقات ومعرفة بالسوق، ويؤكد أن خبرته السابقة في مجال قطع الغيار ساعدته كثيرا على تقييم ما يعرض عليه، بينما قد يجد التاجر الجديد صعوبة أكبر في معرفة الفرق بين مصنع وآخر.
ففي الصين، كما يقول، يمكن أن يجد التاجر مصانع تقدم سلعا ذات جودة عالية، وأخرى تقدم منتجات بجودة أقل، رغم أن السلعة قد تبدو متشابهة للوهلة الأولى، ولذلك، فإن معرفة المجال الذي يتاجر فيه، والاستعانة بأشخاص قادرين على مراقبة الجودة، يصبحان ضروريين، خاصة بالنسبة لمن يخوض التجربة للمرة الأولى.
أما شعيب شريط، أحد أصحاب نشاط المقاول الذاتي، فيرى أن وجود الجزائريين في المدن التجارية الصينية خلق مع الوقت شبكة من العلاقات والخبرات التي يستفيد منها أصحاب الاستيراد المصغر، خصوصا الشباب الذين يدخلون السوق للمرة الأولى، ويقول إن أصحاب المقاول الذاتي يعملون كحلقة وصل مرنة ومباشرة بين المصانع الصينية والسوق الجزائرية، وإن بعضهم أصبح يعتمد على شبكة من الموردين والمعارف لمساعدته في البحث عن السلع، والتفاوض بشأن الأسعار، وترتيب عمليات الشحن.
وفي غوانزو، يشير شعيب إلى فندق “ليجوند” في حي هايتشو، الذي أصبح، حسب وصفه، نقطة تجمع لعدد من التجار الجزائريين وأصحاب المقاول الذاتي، فهناك يتبادل هؤلاء المعلومات والخبرات، ويتحدثون عن الموردين والأسواق والشحن، فيما يمكن للوافد الجديد أن يستفيد من تجارب من سبقوه في التعامل مع السوق الصينية، وفي هذا الوسط التجاري، لا تكون المعلومة مجرد حديث عابر بين التجار، بل قد تحدد نجاح الصفقة من عدمه، من يعرف المصنع الأفضل، ومن يعرف المنطقة الأرخص، ومن يستطيع التفاوض، ومن يملك شخصا يراقب الجودة قبل إرسال البضاعة، كلها تفاصيل تصنع الفارق.
معرض كانتون ذروة الإقبال… والجوية الجزائرية تقدم أحسن الأسعار
ولمعرفة كيفية وصول الجزائريين إلى الصين، تواصلنا أيضا مع نذير بلحاج، رئيس النقابة الوطنية لوكالات السياحة والأسفار وصاحب وكالة سياحية، الذي أكد لـ”الشروق” أن الطلب على الوجهة الصينية ارتفع بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، مدفوعا أساسا بأسباب تجارية، في ظل توجه جزائريين نحو الصين لاقتناء الإلكترونيات والسيارات وقطع الغيار والملابس، إلى جانب آخرين يقصدونها للسياحة أو لربط علاقات تجارية وبناء شبكات للتبادل، وحتى البحث عن فرص للتصنيع.
ويقول بلحاج إن جاذبية الصين بالنسبة للجزائريين لا ترتبط بالأسعار فقط، وإنما أيضا بتنوع الفرص والخدمات التي يجدها التاجر هناك، مشيرا إلى وجود متعاملين صينيين يعرضون على الجزائري تجهيز المحل من الصفر، انطلاقا من محل فارغ، وتوفير مختلف التجهيزات والسلع التي يحتاجها، على أن يتم الدفع لاحقا، وهو ما يجعل عددا من الجزائريين يفضلون التعامل معهم، حسبه.
أما رحلة الحصول على التأشيرة، فيوضح المتحدث أنها تمر بعدة مراحل تبدأ بالتسجيل عبر الموقع الإلكتروني، ثم الحصول على دعوة من الشريك أو الجهة التي سيتعامل معها التاجر في الصين، واستكمال الإجراءات والوثائق المطلوبة، ويؤكد أن الشروط، حسب تجربته، ليست معقدة بالنسبة للتجار، وأن الوثائق المطلوبة عادية، فيما تستغرق العملية عادة نحو خمسة عشر يوما لاستكمال مختلف الإجراءات، وتكون التأشيرة إلكترونية.
وبخصوص تكلفة السفر، يشير بلحاج إلى أنها تختلف حسب شركة الطيران ومدة الإقامة، لافتا إلى أن الخطوط الجوية الجزائرية أطلقت رحلة مباشرة نحو غوانزو بسعر يقارب ثمانية ملايين ونصف مليون سنتيم، وهو السعر الأقل المتاح، حسبه، فيما تستغرق الرحلة نحو ثلاث عشرة ساعة.
ولا تتوقف حسابات التاجر الجزائري عند تذكرة السفر، إذ تمثل الإقامة جزءا مهما من ميزانية الرحلة، غير أن أسعار الفنادق في الصين يمكن أن تكون منخفضة خارج فترات الذروة، ويشير بلحاج إلى أن بعض المسافرين لا يكتفون بحجز غرفة فندقية، بل يذهبون إلى استئجار طابق كامل أو مجموعة من الغرف وإعادة تأجيرها للجزائريين خلال فترات الطلب المرتفع.
وتتغير أسعار الإقامة بشكل واضح، خصوصا خلال مواسم المعارض التجارية، حيث ترتفع الأسعار نتيجة الإقبال الكبير، بينما يمكن خارج فترات الذروة العثور أحيانا على غرف في فنادق من فئة أربعة أو خمسة نجوم بحوالي ثلاثين أورو، في حين قد تصل الأسعار خلال فترات المعارض إلى نحو مائة أورو للغرفة.
ويضيف أن حجم الإنفاق في الصين يرتبط أيضا بنوع النشاط والسلع التي يبحث عنها التاجر، موضحا أن غوانزو، على سبيل المثال، تعد وجهة مهمة للملابس والمنتجات ذات الجودة العالية، في حين يمكن للساعات ذات القيمة المرتفعة أن تفتح مجالا واسعا للاختيار، إذ إن ميزانية تقدر بنحو ألف وخمسمائة أورو تسمح، حسبه، باقتناء خيارات واسعة.
وبالنسبة لأصحاب الاستيراد المصغر، يلفت بلحاج إلى أن ميزانية تصل إلى مائة وثمانين مليون سنتيم يمكن أن تكفي المقاول الذاتي لجلب حاوية، حسب تقديره، مشيرا إلى أن بعض المدخلات والمكونات الإلكترونية التي يقصدها الجزائريون يتم البحث عنها خصوصا في شنزن، أما بالنسبة لشركات الطيران، فيذكر أن الخطوط الجوية التركية تعد من بين الخيارات الأقل سعرا بالنسبة للمسافرين الجزائريين، إلى جانب شركات أخرى مثل لوفتهانزا الألمانية والخطوط الجوية القطرية والخطوط الجوية الفرنسية، مع اختلاف الأسعار حسب تاريخ السفر وفترة الحجز، في حين تظل الجوية الجزائرية الأقل سعرا هناك.
ويرى رئيس النقابة الوطنية لوكالات السياحة والأسفار أن تنامي الإقبال الجزائري على الصين يعكس تحولا في طبيعة السفر إليها، بعد ما أصبحت الوجهة بالنسبة للكثيرين مرتبطة بالتجارة إلى جانب السياحة، حيث تجمع الرحلة الواحدة بين البحث عن السلع، واكتشاف المصانع، والتفاوض مع الموردين، وبناء علاقات وشراكات جديدة، ثم تنظيم شحن المقتنيات والبضائع نحو الجزائر.
“اطلبوا العلم ولو في الصين”… نجاحات جزائريين بدأت بالدراسة
بحثنا أيضا عن جزائريين يتمدرسون ويعملون في الصين، للوقوف على تجربتهم، حيث تحدثت لمياء لوضاحي، الباحثة بجامعة سيتشوان في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان، لـ”الشروق”، عن مسارها الذي بدأ بمنحة دراسية في إطار التعاون بين الحكومتين الجزائرية والصينية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة البحث والعمل الأكاديمي، وقالت لوضاحي إنها تقيم في الصين منذ خمس سنوات، بعد حصولها على منحة دراسية عن طريق مسابقة في الجزائر، قادمة من تيزي وزو، موضحة أن تخصصها في الجزائر كان الرياضيات وعلوم الحاسوب، قبل أن تواصل مسارها في الصين في مجال الرياضيات التطبيقية، وأضافت أنها تحصلت على الدكتوراه في الرياضيات، وتبلغ حاليا 32 سنة، وتواصل مرحلة ما بعد الدكتوراه الثانية في الرياضيات، بعد تجربة أكاديمية وبحثية امتدت لسنوات.
وتقول لمياء أن الجزائريين يصلون إلى الصين بطرق مختلفة، فمنهم من يأتي عن طريق السفارة والمنح الدراسية، ومنهم من يعتمد على إمكاناته المالية الخاصة، فيما يلجأ آخرون إلى الوكالات السياحية لترتيب كل أمور الدراسة، مشيرة إلى أن الجزائريين يتوزعون على عدد من المدن، من بينها هانغتشو وشنغهاي وإيوو التابعة لمقاطعة تشجيانغ، حيث يتوجه بعضهم إلى النشاط التجاري، بينما يأتي آخرون للدراسة، ثم يحاولون إيجاد فرص للعمل ومواصلة مسارهم المهني.
وأكدت أن عددا من الجزائريين يأتون في البداية بهدف الدراسة، قبل أن يتعرفوا على التطور الذي تشهده الصين والإمكانات المتاحة فيها، ما يدفعهم إلى التفكير في مواصلة العمل والدراسة والبحث العلمي هناك. وعن الحياة اليومية، وصفت لوضاحي العيش في الصين بالمريح، مشيرة إلى أن أفراد الجالية الجزائرية يعيشون نوعا من التضامن، قائلة إنهم أشبه بـ”عائلة صغيرة”، حيث يساعد بعضهم بعضا في مختلف الاحتياجات ويجتمعون في المجموعات الالكترونية، كما لفتت إلى انتشار الدفع الإلكتروني عبر “وي تشات” و”علي باي”، إذ يمكن استخدامه في المطاعم والحافلات والمترو والمحلات، بينما أصبح استعمال النقود محدودا إلى أقصى درجة في الحياة اليومية، والكثير من المحلات والأماكن ترفضه.
وفي المجال الأكاديمي، أوضحت أن راتب الأستاذ أو الباحث يمكن أن يتراوح بين 10 آلاف و30 ألف يوان كبداية، حسب المرحلة والمسار، مع إمكانية ارتفاعه تدريجيا، كما يمكن للباحث الاستفادة من تمويلات مرتبطة بالمشاريع البحثية، تشمل أحيانا تكاليف الكتب والحاسوب والإقامة وغيرها من المصاريف المرتبطة بالبحث، وأضافت أن قيمة بعض المشاريع البحثية، حسب طبيعتها والجهة التي تمولها، سواء كانت وطنية أو على مستوى المقاطعة أو الجامعة، يمكن أن تصل إلى مليون يوان، كما يمكن أن تتضمن تمويلا يسمح للباحث بتقديم مساعدات للطلبة المشاركين في البحث.
ولا يقتصر حضور الجزائريين في الصين على المجال الأكاديمي، إذ اختار آخرون مسارات مهنية مختلفة، من بينهم فاتح، الأستاذ الجامعي والمدرب في كرة القدم، الذي تحدث لـ”الشروق” عن تجربة بدأت من جامعة الحاج لخضر بباتنة، قبل أن تقوده إلى روسيا، ثم إلى الصين، وأوضح فاتح أنه بدأ دراسته في جامعة الحاج لخضر بباتنة، قبل السفر إلى روسيا لاستكمال الماجستير والدكتوراه، حيث تحصل على الدكتوراه من الجامعة الروسية للرياضة في موسكو في علوم الرياضة والتدريب الرياضي، ثم التحق سنة 2019 بجامعة تشنغدو الرياضية أستاذا بقسم كرة القدم.
وأضاف أنه جمع بين العمل الأكاديمي والتدريب والإشراف على فرق الجامعة لكرة القدم، إناثا وذكورا، مشيرا إلى تحقيق عدة إنجازات على مستوى مقاطعة سيتشوان وعلى المستوى الوطني، كما خاض تجربة تدريب فريق زيغونغ، إلى جانب نشر عدة مقالات علمية في المجال الرياضي والمساهمة في تطوير الطرق العلمية الحديثة في تكوين المدارس الرياضية والعمل مع الفئات العمرية الصغرى.
وعن الحياة في تشنغدو، قال فاتح إنها مريحة من حيث المناخ ووسائل الحياة اليومية، مشيرا إلى أن التأقلم مع الأكل الصيني يحتاج إلى بعض الوقت، قبل أن يصبح من الممكن الاستمتاع بتنوع الوجبات، التي وصفها بالغنية والصحية، كما تحدث عن حياة أفراد الجالية الجزائرية، موضحا أن الحياة اليومية بالنسبة للعامل تتمحور بين العمل والبيت، وبالنسبة للطالب بين الدراسة والبيت، فيما يلتقي أفراد الجالية، خصوصا يوم الجمعة لأداء صلاة الجمعة، وخلال العطل متى سمحت الظروف بذلك، وأضاف أن أفراد الجالية يعودون إلى الجزائر مرة أو مرتين في السنة، حسب ظروف كل شخص.
وأكد أن ظروف العمل حسنة، غير أن الأهم، حسبه، هو إثبات الكفاءة وجودة الأداء، لأن ذلك يفتح المجال أمام فرص وآفاق مهنية أخرى، ووصف تشنغدو بأنها مدينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال حدائقها وطرازها الصيني الأصيل من جهة، والتطور التكنولوجي وسرعة الأداء من جهة أخرى.
ممارسة الشعائر في بكين متاحة بـ50 مسجدا والأكل الحلال في كل مكان
وحين يحزم الجزائري حقيبته استعدادا للعودة، لا يحمل معه دائما سلعا وفواتير فقط، بل يحمل شبكة من الأسماء والعناوين والتجارب، وربما فكرة عن رحلة أخرى تبدأ بعد أسابيع أو أشهر، فبالنسبة لكثير ممن التقيناهم، لم تعد الصين محطة يصلون إليها، ثم يغادرونها، بل قصة مفتوحة… كلما انتهت منها حكاية، بدأت أخرى برسالة جديدة على “ويتشات”.