سيارة إسعاف.. فقدت الفرامل؟
قد يكون السيد خالد نزار، من القلائل الذين عجنوا الخبز الجزائري بحلوه ومرّه، وبأبيضه وأسوده، ممن لا يجدون حرجا في الحديث بين الحين والآخر عما أسماه هو عبر رسالته التي نشرها على موقع الجزائر الوطنية، بحريّته في التعبير التي لا حدّ لها، وقد يكون من القلائل الذين فتحوا الكثير من العُلب السوداء التي تزامن تواجدها مع العشريتين الساخنتين جدا في حياة الجزائريين، لكنه يركّز دائما على الدفاع عن نفسه، وتكاد تكون خرجاته الإعلامية والإلكترونية ردود فعل أكثر منها أفعال، وحق ردّ أكثر منه تحليل لوضع ما سابق وحاضر..
والرجل مرّة أخرى شبّه نفسه بسيارة الإسعاف أو غرفة بمستشفى، قامتا بتطبيب بلد كان يعاني من ورم سياسي وأمني كاد يفتك بجسده، دون أن يعترف ولو مرة واحدة بأنه ساهم ولو جزئيا في تشغيل سيارات الإسعاف، بأخطاء ارتكبها جعلت من الورم يبلغ مراحله الخبيثة في بعض المجالات، لأن كتابة المذكرات أو الاطلالات والتغريدات الإعلامية والإلكترونية من الشخصيات الفاعلة وحتى من المفكرين والعلماء، لن يكون لها أي معنى إذا اعتمدت على “الأنا فقط”، الذي يميّز كل خرجات الجنرال المتقاعد وغيره من الرجالات، رغم أن الوضع الحالي يتطلب الكثير من نكران الذات، إن كانت هذه الذات قدمت للوطن النفس والنفيس، فما بالك أن تكون قد ارتكبت القليل أو الكثير من الأخطاء.
وعندما ننتظر سنوات طويلة، ليقول شخصية نافذة في الحكم كلاما يحيي به الضمائر، ونجده مبنيا في معظمه على ضمير منفصل هو “أنا”، فإنه سيجعلنا بعد أن لعنّا الصمت، وأدخلناه دائرة خُرس الشياطين، نلعن الكلام الذي ما كان فضّة حين كان السكوت من ذهب، وما كان من أي معدن آخر، لأن المعروف في التاريخ أن الفتن التي تعصف بالأمم لا يصنعها طرف واحد، وإنما الكثير من الأطراف، وإذا كان إسلاميو بداية التسعينيات قد أعلنوها عصيانا مدنيا أتى على الأخضر واليابس، فإنهم لم يتورطوا وحدهم في المأساة التي مازلنا نأكل من خبزها الأسود دون أن يعترف أي طرف ولو بجزء من ذنبه.
لقد عاشت الجزائر الوئام والمصالحة الوطنية، واسترجعت عافيتها الأمنية، ولكنها سقطت الآن في الفساد الذي أفسد عليها فرحة السِلم، ومع ذلك مازالت كل الاطلالات سواء من خارج أو من داخل الوطن تُنظّر للذاتية، وترمي الكرة إلى بقية الميادين، وكلها تورطت في زرع الفساد الذي جعلنا نخرج من عشرية سوداء إلى أخريات أكثر سوادا.
لا جدال في أن سيارة الإسعاف هي أنبل السيارات على الإطلاق، فهي السيارة الوحيدة التي يُكتب عنوانها بالمقلوب حتى تسمح لها السيارات السياحية وسيارات المتاع والنقل الأخرى بالمرور، لكنها في الجزائر فقدت في بعض المنعرجات الحساسة فراملها، فكما أسعفت أصابت الكثيرين ببعض الجروح التي مازلنا نعاني منها لحد الآن، وتلك طبيعة البشر يصيبون ويخطئون، وتلك قصة سيارة الإسعاف تُسعف وتعفّس؟”