سياسة الممنوعات تغزو الاقتصاد
اجتهدت الحكومة الجزائرية مرة أخرى، واستشارت خبراءها، وطلبت رأي المنجمين والفقهاء، والعلماء في علم الاقتصاد وفنون التسيير، ونظمت الملتقيات والمحاضرات، ودرست كتب التاريخ التي تروي حكمة العظماء وعظمة الحكماء، وتشرح أثر تذبذب أسعار القمح على الإمبراطورية الرومانية ودور تجار الخشب في سقوط غرناطة. وأدى هذا الجهد العظيم إلى اكتشاف عظيم. حيث توصلت الحكومة إلى اختراع طريقة في تسيير الاقتصاد لم يدركها أحد في الماضي، ولن يصل إليها أحد في القرون القادمة.
فبعد هذا الجهد العظيم، اتفق أعضاء الحكومة على صيغة تضمن رفاهية البلاد، ونمو اقتصادها، وازدهار عبادها، كما تضمن أرقاما في التنمية تفوق ما وصلت إليه الصين، وحياة أسعد مما تعرفه السويد والنرويج، ووجدت الحكومة طريقا لفرض السلم الاجتماعي والمودة والمحبة في العلاقات بين الناس. وقالت الحكومة إن هذه الطريقة الجديدة في التسيير ستكون مبنية على فكرة بسيطة جدا: إنها مبنية على الممنوعات. فكل شيء ممنوع إلا ما تسمح به الحكومة. ممنوع عليك تأسيس الأحزاب والجمعيات، وممنوع عليك إنشاء جريدة جديدة أو قناة تلفزيون، وممنوع عليك أن تسافر إلى الخارج إن كنت أستاذا في الجامعة، وممنوعا عليك حتى أن “تحرڤ” إذا أردت أن تهرب من قوم الممنوعات.
وهكذا، لجأت الحكومة إلى الممنوعات لتسيير الاقتصاد لما عجزت عن مواكبة العصر. وبعد أن استسلم الجزائريون أمام هذا القرار، أرادت الحكومة أن توسعه إلى الأجانب الذين يتعاملون مع الجزائر أو يتجرؤون للاستثمار في بلادنا. ودشنت الحكومة هذه المسيرة المظفرة مع قانون المالية المكمل لسنة 2009 الذي كان ينص على أنه لا يجوز للأجانب أن يستثمروا في الجزائر لوحدهم، بل عليهم أن يتعاملوا مع شريك جزائري تكون له الأغلبية في أي استثمار. وفرضت الحكومة على الشركات الموجودة من قبل أن تتعاقد إجباريا مع طرف جزائري يصبح شريكا في المشروع.
وقرر مجلس الوزراء بداية الشهر توسيع هذا القرار إلى البنوك، من خلال التوجيهات التي سيتم تطبيقها عن قريب. ولم يتضح لحد الآن هل سيتم تطبيق القرار على المؤسسات البنكية التي سبق لها أن دخلت السوق الجزائرية من قبل، رغم أن مصادر قريبة من وزارة المالية تؤكد أن القرار لن يشملها. ولا نرى كيف يمكن لشركة “سوسيتي جينيرال” Société Générale أو Citibank أن ترحب بقرار يفرض عليها شريكا جديدا اسمه علي بن عبد القادر لا يملك شيئا سوى جنسيته الجزائرية…
وتعني هذه القرارات أن الركود الذي يسود قطاع المالية سيبقى سيد الموقف لسنوات طويلة، مما يعني بدوره أن الاقتصاد بصفة شاملة سيغرق بدوره في الركود، لأنه من المستحيل أن ينتعش الاقتصاد إذا ماتت المؤسسات البنكية.
ولم تعرف الحكومة كيف توجه تطور الاقتصاد الوطني بتدابير تسبق الأحداث، فبقيت في وضع المتفرج، تتابع ما يحدث وتمنع ما لم تستطع أن تتجنبه. فمنعت قروض الاستهلاك لما انتشرت، ومنعت الأجانب من شراء الشركات التي تمت خوصصتها، ومنعت الأجانب من الاستثمار لما استثمروا وحققوا أرباحا… ومع كثرة هذه التجارب، أصبحت الحكومة الجزائرية خبيرة في ميدان الممنوعات… ولم يبق لها إلا أن تصدر الممنوعات بعد أن عجزت عن صنع أشياء يمكن تصديرها من غير النفط.