الشروق العربي

سياسة فرنسا… من الاستعمار إلى ” الاستحمار”

جمال لعلامي
  • 1768
  • 0

كلما عاد نوفمبر، عاد الفرنسيون، إلى تمجيد ما يسمونه زورا وبهتانا “الدور الإيجابي للمستعمر”، وها هو هولاند وجماعته، ومنافسوهم على كرسي الإليزيه في الرئاسيات الفرنسية المقبلة، يعتذرون بالفم المليان للحركى، ويتهمون الجزائر بارتكاب “مجازر” في حقهم، ويعترفون بالمقابل، في خرجة استفزازية لمشاعر الأسرة الثورية، أن فرنسا “تخلت” عن هؤلاء الخونة الذين يرقدون بسلام فوق التراب الفرنسي!

العقدة الاستعمارية، هي التي دفعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى الإعلان بأن “الجزائر لم تطلب رسميا إعادة جماجم شهداء المقاومة الشعبية”، وهي رسالة أخرى لا تختلف عن رسالة الحركى، فلماذا لا تبادر فرنسا من تلقاء نفسها وتعيد الجماجم إلى بلدهم الأصلي بدل أن تحتجزهم بأرشيفها، ثم توعز للجزائر بضرورة المطالبة بهم؟

والغريب أن مثل هذه الاستفزازات الكوميكية، تزامنت أيضا مع “تراجع” سيناتورات فرنسا عن “تجنيس” آلاف الجزائريين المولودين قبل الفاتح جانفي 1963، حيث رمى البرلمان الفرنسي قبل أشهر الصنارة، ثم بعدها جمّد أو ألغى المشروع لحسابات سياسية ومصلحية مفضوحة!

“فافا” التي “تسال حسيفة” للجزائريين، واصلت لعبها وتلاعبها، حيث عقدت في أكتوبر، اجتماعا حول الوضع في ليبيا، و”أقصت” الجزائر من قائمة المدعوين، لترد الجزائر وتستقبل في نفس اليوم رئيس “حكومة الوفاق الليبي”، في رسالة فهمها جيّدا الفرنسيون، الذين مازالوا يبحثون عن “حركى جدد” حتى يبرروا لهم استعمارهم القديم ومحاولاتهم البائسة لفرض استعمار جديد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا!

الجميع يتذكر كيف أن الوزير الأسبق كوشنير، رفض مصافحة وزيرنا للمجاهدين، في زيارة له رفقة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر، لأن “المغضوب عليه” طالب فرنسا بالاعتذار عن الجرائم الاستعمارية، والجميع أيضا يتذكر كيف أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قال بأن “الأبناء لا يعتذرون عن أخطاء آبائهم” في سياق رده على مطلب الاعتذار!

عندما يعود نوفمبر تستذكر فرنسا الشيخ بوعمامة والأمير عبد القادر وبوبغلة، ونسومر، وبن مهيدي وزبانة وزيغوت وبن بولعيد واعميروش ولطفي وعلي لابوانت، وهي تعي جيّدا أن كلّ الجزائريين هم امتداد طبيعي وتاريخي لهؤلاء الشهداء الأحرار، ولذلك تريد فرنسا الانتقال من الاستعمار إلى “الاستحمار” باستهداف العقول في محاولات بائسة لإيهام المستعمرات القديمة بـ”الدور الإيجابي للمستعمر”!

قاعدة “رابح-رابح”، لا معنى لها عند الفرنسيين، إلاّ بمرادف “الفرنسي-رابح” و”الجزائري-خاسر”، ولذلك تلعب وتتلاعب الحكومات المتعاقبة بفرنسا على حبل الاستثمار والاقتصاد والمبادلات التجارية، وتستخدم في كلّ مرّة “الفيزا” كطُعم لمقايضة “المتزاحمين” أمام سفارتها، طمعا في تليين مواقفهم من استعمار غاشم حاربه السابقون واللاحقون ومقته الشباب قبل الشيّاب.

لا يُمكن لـ”مقام الشهيد” أن يتنازل أمام “التوريفال”، في قضية حياة أو موت، وهي غير قابلة للتنازل أو التفاوض، وهذا المبدأ هو الذي يحرّك المتنافسين على كرسي الإليزيه، كلما عادت الرئاسيات الفرنسية، فكلّ مترشح يُريد شراء ودّ الجزائريين، خاصة آلاف المغتربين بفرنسا، حتى يكونوا سندا لكسر شوكة المنافس، ولذلك تعود ملفات الحركى والفيزا والذاكرة والجنسية كلما اندلعت “ثورة” الاستحواذ على الشانزليزيه!

هو نوفمبر، شهر الثورة والبطولة، يستذكر فيه الجزائريون تضحيات الأوّلين وانتصاراتهم، ويتذكر فيه الفرنسيون نكساتهم ويتناسون جرائمهم، ومثلما لن يعتذر أحفاد بيجار وساوريس وغيرهم من السفاحين، فإن أحفاد مليون ونصف مليون من الشهداء الأحرار، لن يتنازلوا أو يطمسوا التاريخ، في أيّ ظرف من الظروف، رغم تبدّل الأجيال!

لقد “اشترط” في وقت سابق الوزير كوشنير “انقراض” جيل الثورة لتحسّن العلاقة بين البلدين، متجاهلا أن “جيل الاستقلال” من “جيل الثورة”، وأن ذاك الشبل من ذاك الأسد، ومثلما يرفض “أبناء” السفاحين الاعتذار، فإن أبناء الشهداء والمجاهدين، يرفضون كذلك التنازل والتخلّي عن حقهم في “استجواب” القتلة وتعذيبهم بالتذكير والإلحاح على معاقبة ماضيهم الاستعماري وتأديبهم بالتجاهل و”النيف والخسارة”!

لن تتوب “فافا” إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولن ينسى الجزائريون مع حصل خلال 132 سنة من الاستيطان والاستدمار، ولم تكن بعدها عبارة “7 سنين بركات”، سوى رسالة ختمت الثورة التحريرية بنصر مبين من عند الله المعين.. وهو ما يؤلم الفرنسيين!

مقالات ذات صلة