سياسي فرنسي يدعو باريس إلى مواجهة ماضيها الاستعماري بشجاعة
دعا النائب الفرنسي عن الحزب الاشتراكي، إيمانويل غريغوار، فرنسا إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية فيما يتعلق بماضيها الاستعماري، الذي قال إنه خلف “إرثا يلقي على عاتقنا مسؤوليات” يتعين تحملها، في الوقت الذي تحاول فيه بعض الشخصيات السياسية الفرنسية، ذكر منها وزير الداخلية السابق، برونو روتايو، والوزيرة السابق، رشيدة داتي، التهوين من مخلفات الاستعمار الفرنسي في مستعمراته السابقة.
وتحت عنوان “فرنسا في مواجهة ماضيها الاستعماري”، كتب النائب مقالا في صحيفة “لومانيني” الفرنسية في عددها الصادر، الجمعة السادس من مارس الجاري، طالب من خلاله الدولة الفرنسية بتصحيح ما أخطأت فيه، وأوضح: “لقد حان الوقت للجمهورية أن تواجه ماضيها الاستعماري، وهو ماض كتب أيضا منذ ذلك الحين وفي مدننا، والذي لا يزال يذكر في فضاءاتنا العامة”.
وانتقد السياسي اليساري نظراءه السياسيين الذين يمجدون الاستعمار الفرنسي بمواقفهم وسلوكياتهم، وهاجمهم قائلا: “لا يزال العديد من الشخصيات السياسية يقللون من شأن تصرفات فرنسا في مستعمراتها السابقة، أو يتلاعبون بها، أو حتى يؤيدونها – ما يُعرف بـ”المهمة الحضارية” – على حساب تحريف التاريخ وعمى يثير اشمئزازي كإنسان. وينطبق هذا على قادة التجمع الوطني (حزب مارين لوبان)، وكذلك، خارج نطاق اليمين المتطرف، على غرار برونو روتايو، أحد مؤيدي رشيدة داتي، الذي يرفض اعتذار فرنسا الدائم على ممارساتها الاستعمارية، التي يعتبرونها مصدرا لأوقات ذهبية وأيد ممدودة”.
وتتباين مواقف السياسيين في فرنسا من قضية الاستعمار، فبينما يرى السياسيون ذوو التوجهات اليسارية، أن الاستعمار يشكل حقبة مظلمة من تاريخ بلادهم ولا يرون مانعا في تقديم اعتذار باسم الدولة الفرنسية لضحايا الاستعمار، يذهب التيار اليميني بشقيه التقليدي والمتطرف، إلى الدفاع عن الاستعمار ويعتبرونه ناقل للحضارة إلى الشعوب المستعمرة.
ويصف إيمانويل غريغوار أطروحات اليمين واليمين المتطرف بخصوص الاستعمار، بأنها “رؤية استبدادية”، وشدد على أن “الاستعمار ترك آثارا عميقة على مجتمعنا. وهذا يلقي على عاتقنا مسؤوليات في وقت يعتقد فيه البعض حول العالم أن عصر الإمبراطوريات قد حل بنا”.
بل إن الأكثر من ذلك، يضيف الكاتب، أن ما يعيشه المجتمع الفرنسي من أزمات، إنما سببها “إرث هذا الماضي الاستعماري الذي لم يعترف به”، في حين “يستغل الشعبويون هذه الانقسامات الاستعمارية، التي لم تطبّع سياسيا بعد، رغم أنها حقائق تاريخية”. ودعا إلى “إعادة كتابة التاريخ هذه، التي يفرضها البعض عن جهل أو أيديولوجيات، والتي سببت “معاناة شديدة لآلاف ورثة الاستعمار وأحفادهم.. وإهانة لذاكرتنا الجماعية، وإساءة لكل من قدموا من أماكن أخرى منذ نهاية الاستعمار، وهم مواطنون كاملون في بلدنا”.
وعبر إيمانويل غريغوار عن رفضه لهذه الأطروحات، وقال: “إذا استمر البعض في التستر وراء مبررات لا تليق بمبادئنا الجمهورية، فأنا أرفض ذلك. لقد كان الاستعمار، كما كتب إيمي سيزير ببراعة، نفيا للحضارة. ولا يزال وصمة عار لا تمحى في تاريخنا”، منتقدا إقامة العاصمة الفرنسية باريس، معارض تضم أجنحة تمجد الاستعمار.
ودعا بالمناسبة إلى إنشاء مركز متخصص في العاصمة باريس، توكل له مهمة التذكير والتعريف بالماضي الاستعماري وفق برنامج محدد، تشرف عليه لجنة علمية مختصة، تحسبا للذكرى المئوية للمعرض الاستعماري الدولي، وذلك في خضم المساعي الرامية إلى التصالح مع مخلفات الذاكرة الاستعمارية.
ولا تزال السلطات الرسمية الفرنسية تتهرب من مسؤولية ماضيها الاستعماري في مختلف مستعمراتها السابقة، ومن بينها الجزائر، التي تشكل تركة استعمارية ثقيلة للفرنسيين الذين عجزوا لحد الآن وبعد نحو ستة عقود من الاستقلال، عن تحمل مسؤولياتهم كاملة على هذا الصعيد.