الرأي

سي عبد الملك… وداعا

محي الدين عميمور
  • 11139
  • 0
ح م
الراحل عبد الملك كركب

كنت أتابع التابوت الذي يجتاز مقبرة بن عكنون وأنا أسترجع في ذاكرتي سنوات طويلة عملنا فيها معا في إطار رئاسة الجمهورية، إلى أن فرقت بيننا الأيام والالتزامات المختلفة.

عرفت الرائد (آنذاك) عبد الملك كركب منذ جوان 1971، حيث كان مديرا للأمن الرئاسي، وواحدا من الثلاثي الذي كان يحيط بالرئيس هواري بو مدين في إطار تنقلاته الداخلية والخارجية. وكان أول المجموعة هو رائد البروتوكول الرئاسي عبد المجيد أعلاهم، وكنت أنا الأخير، منذ اختارني الرئيس مستشارا مكلفا بالإعلام.

ولم تكن أيامي الأولى سهلة، فقد كانت معظم المجموعة التي تعمل مع الرئيس من العسكريين، باستثناء اثنين من المدنيين، كان أولهما الأخ إسماعيل حمداني، الأمين العام المساعد، ثم الأخ أحمد حوحات، المستشار المكلف بقضايا الزراعة. وكنت أنا، في بداية الأمر، غريبا تماما عن الجوّ، وهو ما كان أمرا طبيعيا بالنسبة إلى طبيب مدني ينزل بما يشبه المظلة على مقر الرئاسة في المرادية.

وشيئا فشيئا بدأت في التعرف على عبد الملك، وكان أول ما لاحظته أنه كان متحفظا في التعامل مع الجميع، وسواء تعلق الأمر بأعضاء الوفد الرئاسي خلال الزيارات الرئاسية أم ببقية العاملين في المؤسسة، وكانت أولوية أولوياته أمن الرئيس، ويتضح هذا من موقفين.

كان الإجراء السائد في الرحلات الرئاسية أن يرسل أعضاء الوفد حقائبهم عشية اليوم المقرر للسفر إلى قصر الشعب، حيث يتولى مساعدو عبد الملك التحفظ على كل الأمتعة، ليتسلمها أعضاء الوفد كلٌّ في مقر إقامته في البلد الأجنبي، أو في الولاية التي يحل بها الوفد الرئاسي.

وحدث ذات يوم، ونحن نستعد لمغادرة مطار العاصمة، أن تلقى عضو الوفد الأخ شريف بلقاسم ما جعله يعتذر عن السفر، ويأذنُ له الرئيس بذلك.

وعلى الفور يطلب عبد الملك من الوزير، الذي كان معروفا أنه من أقرب المقربين إلى الرئيس، أن ينتظر قليلا ليتسلم حقيبته التي كانت قد رفعت إلى مخزن الأمتعة بالطائرة، ولم يجد سي جمال ضرورة لذلك، لكن مدير الأمن الرئاسي أصر على أن تنزل الحقيبة من الطائرة وتسلم لصاحبها.

وكان الرئيس قد غادر القاعة الشرفية وركب الطائرة، وغادر شريف بلقاسم المطار وهو يغلي غضبا، في انتظار عودة الرئيس، ليشكو إليه عناد المسؤول الأمني وقباحته (كما روى لي عبد الملك شخصيا).

ويستدعي الرئيس عند عودته عبد الملك ويسأله عن تفاصيل ما حدث، وهو أسلوب الرئيس دائما عندما ينقل إليه خبر يتعلق بأحد مساعديه، ويقول الرئيس إنه كان من الممكن التساهل مع سي جمال.

ويجيب عبد الملك قائلا: سيادة الرئيس، عندما استدعيتني لتكلفني بمهمتي قلت لي حرفيا: عبد الملك، فليكن واضحا أن مهمتك هي الأمن كما أن مهمتي هي السياسة، وعلى كل منا أن يلتزم بمهمته، فهل أطمع أن يظل الأمر كذلك؟

ويجيب الرئيس وهو يغالب ابتسامته: الله يعاونك. وهي طريقته في إنهاء أي مناقشة.

وكان الأمر الثاني الذي لاحظته على أداء عبد الملك لمهمته بالغة الخطورة هو تصرفه على أساس أن مهمته الأمنية تفرض عليه أن يكون موجودا في كل مكان، ولكن من دون أن يحس أحد بوجوده. وهكذا لن نجد عبد الملك في آلاف الصور التي كانت تلتقط خلال تحركات الرئيس داخل الوطن وخارجه، فهو دائما حيث يَرى ولا يُرى.

وحقيقي أن مساعديه كانوا موجودين حول الرئيس، ولكن بشكل هادئ وبعيد عن التظاهر الأحمق بالسلطة، وكان هذا، فيما عشته، السبب في أن كل من كانوا حول الرئيس يحسون أنهم معنيون بالأمن، فيسهلون مهمة رجال الأمن الرئاسي، وهو ما تطور بعد شهور من ممارستي لمهامي، حيث أصبح الصحفيون أقرب إلى رئيس الجمهورية حتى من رجال الأمن الرئاسي، الذين كانوا يسهلون لهم مهمتهم في الاقتراب من الرئيس.

وكان هذا بفضل الانسجام الذي أصبح يطبع علاقاتي مع مدير الأمن الرئاسي، الذي كان أحيانا يعبر لي عن اطمئنانه لوجودي بالقرب من الرئيس، ولعله علم من مساعده الأول (الجنرال) صادق، بأنني أتدرب على إطلاق الرصاص بشكل منتظم، بحيث كدت أكون قناصا (Tireur d_élite ) متميزا، وهكذا تزايدت الثقة بيننا.

وخلال  أول لقاء للرئيس بومدين مع الملك حسين في الأردن بعد أحداث سبتمبر الأسود، التي كان الرئيس قد أطلق فيها كلمات عنيفة وحادة في حق الملك حسين، كنت أنا عضو الوفد السياسي الوحيد الذي يحمل مسدسا صغيرا في جيبه، وأتذكر أن عبد الملك همس لي قائلا: دكتور، إذا حدث مكروه فأنا أعتمد عليك، فنحن معروفون، لكن أحدا لن يتصور أن عضو وفدٍ، وهو أساسا طبيب، مسلح وقادر على التصرف.

غير أن عبد الملك كان، بجانب حسّه الأمني، قادرا على استيعاب المواقف السياسية والتعامل معها، وأتذكر خلال اجتماع للعناصر المكلفة بتنظيم زيارة الرئيس الفرنسي جيسكارد ديستان أن أحدنا طرح سؤالا عن التصرف إزاء مواطن يطلق سبابا ضد الرئيس الزائر خلال مرور موكبه؟ وكان ردّ عبد الملك أن تعليمات ستعطى لرجال الأمن الذين يرتدون ملابس مدنية بالصراخ في وجه المواطن واتهامه بأنهحرْكييحاول أن يفسد الزيارة، ويتركون أمره للمواطنين من حوله.

كان عبد الملك دائما في حالة يقظة حادة، لكنني أحسست بأن هذه اليقظة تضاعفت مرتين، كانت الأولى إثر سقوط طائرة الصحفيين في الفيتنام، وكانت الثانية خلال تشييع جنازة الرئيس بومدين، واستطاع أن يسيطر على ألمه ليتحمل مسؤولياته من دون أي ظاهرة ضعف أو تردد.

وكثير لا يعرفون أن عبد الملك كان يُشرف بنفسه على اصطحاب الأغطية التي توضع على سرير الرئيس ومناشف الحمام والأدوات التي يستعملها الرئيس خلال زيارته إلى البلدان الأجنبية، التي كانت تحمل من الجزائر، لحماية الرئيس من أي أذىً محتمل.

وعندما تولّى الرئيس الشاذلي بن جديد سلطاته الدستورية كان أول ما قام هو استدعاء من أصبح يُشار إليهم بثلاثيّ الرئاسة فرديا ليكلفهم بمواصلة نفس المهام التي كانوا يقومون بها في حياة الرئيس الراحل. وهكذا استقبل الرئيس الأخ مولود حمروش وعبد الملك كركب والعبد الضعيف في الأسبوع الأول لولايته.

وربما كان أروع ما كنا نمارسه معا هو تصرفنا على أساس أن الأمن أداء متكامل، وأتذكر هنا أمرا حدث خلال زيارة الرئيس إلى الصين الشعبية.

فقد كانت عادتي في السفر الطويل أن أذرع ممر الطائرة ذهابا وإيابا، ربما لأتخلص من الشعور بالقلق، وبحجة الدردشة مع الصحفيين.

ولاحظت، وأنا أمر بجانب الرئيس، أنه كان يستمع إلى أحد أعضاء الوفد وهو مُكفهر الوجه، وعندما رآني قال لي غاضبا: هل مجموعة الأمن تقوم بعملها أم لاهية بالتحواس في أسواق البلدان التي نزورها؟

وأدركت أن عضو الوفد كان ينفس عن غضبه من أحد عناصر الأمن، لعله لم يستجب لأمر ما طلبه منه، وقلت على الفور، وعلى مسمع من عضو الوفد الذي بدا مضطربا وعاجزا عن فتح فمه: سيادة الرئيس ، هؤلاء الشباب يعملون 24 ساعة في اليوم لأداء واجبهم، ومن حقهم، في يوم راحتهم، شراء بعض الحلوى لأبنائهم أو الهدايا لأزواجهم.

وانفرجت أسارير الرئيس، ورحت أنا أواصل سيري، فإذا بيد تمسكني من ساعدي، وكانت يد عبد الملك، ولم أكن لاحظت وجوده خلفي، الذي قال: شكرا دكتور، لقد أنصفت الجماعة.

وقلت له على الفور: سي عبد الملك، أنت مسؤول عن أمن الرئيس الجسماني، وأنا مسؤول عن أمنه النفسي، ومن واجبي حمايته من كل ما يمكن أن يُخلّ بتوازنه من أخبار مشبوهة الخلفيات.

وكان هذا هو المنطق الذي عملنا جميعا على ضوئه.

 

وعندما كنا نغادر المقبرة قال لي الأخ أحمد أويحيى، الذي كان جزءا من النشاط الرئاسي في تلك المرحلة: نحن نعزي بعضنا البعض، وهي خسارة لنا جميعا.

مقالات ذات صلة