سي لخضر بورقعة في رحاب الله
كان ثوار الجزائر في مخيلة الفتى اللبناني الذي كنته في سبعينيات القرن الماضي يشبهون الملائكة. كنت أحفظ أسماء القادة والمجاهدين الكبار، وأتابع أخبارهم أكثر من أخبار الشخصيات السياسية في بلدي. بل كان يبدو لي أحيانا أن من الأفضل أن يتسلم ثوار الجزائر الحكم في لبنان عوضا عن الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة التي كان رئيس الجمهورية السابق فؤاد شهاب يصف أفرادها بـ ” أكلة الجبنة”.
صدمني الانقلاب على الرئيس السابق أحمد بن بلة، فالملائكة عندي معصومون. لا ينقلبون ولا يُقلبون. كانت في نفسي صدمة من كان يحلم ومن ثم استيقظ على واقع معقد. سأعود إلى الُحلمْ من جديد على إثر مبادرة الرئيس هواري بومدين إلى إنقاذ مصر من الإفلاس العسكري وتمويل وتسليح جيشها بعد هزيمة حزيران 1967 الموجعة وسيتكرر الأمر في العام 1973 وستكون الجزائر حاضرة بقوة في كل حدث يستدعي موقفا شامخا وخاصة في القضية الفلسطينية حيث كانت مخيمات الفلسطينيين تدرسُ التجربة الجزائرية وتقارن الفساد والبيروقراطية بسلوك الثوار الجزائريين الذين ما أخطؤوا ولم يخطئوا ولن يخطئوا ودائما بحسب معايير الملائكة التي اعتمدتها.
في زيارتي الأولى لهذا البلد الحبيب، على هامش مؤتمر المصالحة الفلسطينية عام 1987 كان السحر مازال طاغيا إلى حد أنني كنت أغفر لخادم جزائري في مطعم الفندق امتعاضه الظاهر لطلبي أن يغير لي صحنا متسخا. قال لي بغضب: علاش ؟ قلت في نفسي هو محق لماذا يغير لي صحنا لا يحتاج بنظره إلى تغيير. وقارنت مرة أخرى حال عاملي المطاعم بلبنان وفي الجزائر. في بيروت يجيدون المجاملة والمديح والنفاق وفي الجزائر نفوسهم أبية هكذا كانت أبرر حتى لا تنهار الأسطورة في خيالي.
نعم لم أكن راغبا في تحطيم أسطورة الجزائر الجميلة.كانت تستقر في جانب هادئ وموثوق في ذاكرتي ولعلني ما زلت ارغب في ذلك حتى اندلعت “العشرية السوداء” ومعها صرتُ أخاف على الجزائر بدلا من الخوف منها، رغم أنها صارت مصدرا ملهما لتنظيمات دينية متشددة تسير على خطى “الجماعة الإسلامية المسلحة” وصولا إلى خطف الطائرات في 11 سبتمبر مطلع الألفية وتفجيرها في برجي التجارة العالمية. كانت “الجماعة المسلحة” سباقة إلى هذا العمل عندما خطفت مجموعة منها طائرة فرنسية وأرادت تفجيرها فوق باريس.
أمضيت أسبوعين في الجزائر العاصمة في أخطر سنوات العشرية السوداء 1993 وربما تستغرب عزيزي القارئ أنني كنت أتجول في الأحياء المتوترة دون وجل وكأنني واثق أن أحدا لن يُلحِق أذى بي. زرت القصبة والقبة وباش جراح وتليملي وبلكور وسيدي فرج وصعدت إلى حيدرة والأبيار ومجمع الصنوبر. كتبت مقالات عن مشاهداتي ونشرت نصوصا ومقابلات، بدت في تقدير زملائي، بعيدة عن اللهيب الذي كان يرتفع من مقالات أخرى وكأنني ما أحببت أبدا أن تتسلل من بين سطوري فظائع الحرب وأهوالها وكأنني كنت أمل أن تنتهي الحرب وتعود أسطورة هذا البلد إلى مكانها في مخيلتي.
غبت سنوات عن الجزائر إلى أن أعادني إليها الحاج كريم رزقي المقاول وعضو مجلس جمعية العلماء المسلمين من خلال لقاءاتنا الدورية على هامش “المؤتمر القومي” وعبره التقيت بالمجاهد الكبير سي لخضر بورقعة. ومن ثم اتسعت اللقاءات وأماكنها من باريس إلى بيروت إلى تونس والجزائر ودمشق. وعندما لا نلتقي كنا نتواصل دوريا بواسطة الهاتف.
مع سي لخضر بورقعة كان علي أن أتعرف على واقع الثورة وواقع ما بعد الثورة ضد الاستعمار كما هو. كان سي لخضر مقاوما مثاليا وبقي مثاليا حتى اللحظة الأخيرة من حياته أو هكذا كان يحلو لي أن أراه حتى وفاته إذ أراد لوصيته ان تندرج في سيرته كثائر مناهض للبراغماتية التي لا يمكن لأي حكومة ان تعيش بمعزل عنها.
وصف لي سي لخضر لياليه ونهاراته في الجبال وذكر تفاصيل عاشها وعانى منها ومآس إصابته ومخاطر تعرض لها وصعوبات عاشها وضغوطا لربما تعجز الجبال عن تحملها. سيرته العسكرية في الولاية الرابعة امتدت الى العالم العربي اذ قاتل في حرب حزيران عام 1967 في سوريا. كان موقعه في جبل قاسيون يدير مربضا مضادا للطائرات التي بدأت تقصف مطار دمشق لكن الجنرال المسؤول عن الموقع رفض التعرض لها لان “لا أوامر بعد ” انتفض سي لخضر مذهولا وبدأ الرماية بلا أوامر فهو يعتقد ان الأوامر فرضت نفسها عند ظهور الطائرات في الأجواء السورية. هذه الحادثة ذكرتها الصحف السورية بعد الحرب مع صور ل سي لخضر ولموقعه.
دعم الراحل الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية إلى حد وصف زعيمها بالمهدي المنتظر. كان انتصار المقاومة في عملياتها ومواقفها بمثابة الادرنالين الذي يملأ نفسه.
قلت له ذات مساء. انت تظلم الحكومات الجزائرية التي كانت مضطرة بعد الثورة لان تتعاطى مع ظروف دولية بواقعية وان تتنازل أحيانا كثيرة حتى لو لم تكن محبة او مقتنعة بالتنازل. كان يجيبني بهدء ويقين مستندا إلى تجربته في الجبال ويرى أن نجاح النضال في الجبل ضد استعمار قوي ومجرم يحتاج الى نجاح مماثل في المدينة ضد البيروقراطية والفساد وسؤ التصرف بالمال العام. كان يرى انه لا يجوز الفصل بين الثورة والدولة ويعتبر ان الثورة هي التي أنقذت الجزائر من براثن الكولونيالية وليس الدولة وان الكولونيالية تعود إلى الجزائر ان لم تكن الدولة توأما او امتدادا للثورة. ما اصعب هذا الامر يا عمي لخضر. كنت أردد في سري.
كان يشعر أحيانا بأنني اعتبره متصلبا ولا يقيس مواقفه بظروف قاهرة. لذا روى لي تفاصيل تعكس قدرته على التكيف مع المواقف الصعبة ومن ضمنها حادثة وقعت في الجبل جراء خبر بثته إذاعة القاهرة عن هجوم شنه المجاهدون ضد معسكر كولونيالي في منطقة العمليات التي كان يشرف عليها. ما كان الخبر صحيحا، ذلك أن سي لخضر هو المسؤول عن القوات وهو لم يعط امرا لأي منها بمثل هذا الهجوم ولكنه اعتبر ان الإذاعة المصرية يجب الا تبدو وكأنها كاذبة قي نظر الراي العام لذا امر إحدى مجموعاته بمهاجمة المعسكر المذكور كي ينطبق خبر الإذاعة على الواقع وحتى يواصل الناس منحها ثقتهم خصوصا انها كانت تلعب دورا تعبويا في غاية الأهمية بالنسبة للثورة الجزائرية.
كان سي لخضر ثائرا متقشفا أيضا في حياته اليومية فهو حريص على التواضع في مظهره العام وما كانت تغريه الولائم الفاخرة ولا وسائل النقل الهمايونية. كان يجذبه الفعل الثوري ضد المستكبرين. اذكر مرة انني دعوت الصديق منتظر الزيدي للقاء مع سي لخضر والحاج كريم رزقي في بيروت لبحث فكرة تشكيل مجموعة من الشخصيات العربية المرموقة للدفاع عن قضايا العرب. عندما وصل الزيدي الى المقهى حيث اللقاء، سأله سي لخضر عن اليد التي ضرب بها جورج بوش بالحذاء فأشار الزيدي إلى يده اليمنى فبادر سي لخضر إلى تقبيلها وقبله على رأسه واتصل من بعد بزوجته والفرح يخرج من عينيه اذ قال لها باللهجة الجزائرية: “راني جالس الآن” مع الشاب العراقي الذي ضرب جورج بوش بـ “الصباط”. ثم طلب من الزيدي أن يروي له تفاصيل التفاصيل عن تلك العملية وان يعيد روايتها.
في مناسبة أخرى، كنا نقارن بين ملوك العرب اليوم وملوك الطوائف في الاندلس وذكرت لوصف حالهم ابيات الشعر الشهيرة عن بؤسهم وتفاهتهم: ومما يزهدني في ارض اندلس.. أسماء معتصم فيها ومعتضد.. ألقاب مملكة في غير موضعها… كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.. ضحك سي لخضر لهذا الوصف طويلا وقال لي “عاود الشعر لو سمحت” ومن ثم طلب مني أن أكتب له الأبيات على ورقة خاصة لكي يرويها لمن يحب.
قبل أسابيع قليلة اتصل بي الحاج كريم رزقي لكي نتواصل مع سي لخضر ونتفق على موعد في بيروت أو في باريس أو في الجزائر بعد انتهاء الجائحة..كان الاتصال الأخير فقد أراد الوباء إلا نلتقي وان أصاب بحزن شديد على غياب هذا الثوري الكبير الذي لم يساوم إلى ما بعد اليوم التالي من مماته.. الرحمة لك عمي لخضر والعزاء الحار للشعب الجزائري الحبيب ولأسرتك الكريمة ولكل محبيك ورفاقك في فلسطين وبلاد العرب.