الرأي

سٌنة الخوف الأكبر من نهاية عوالمنا الصغرى

حبيب راشدين
  • 4019
  • 3

لأني بدأت سنة 2012 بالسخرية من أسطورة نهاية العالم على رواية شعب مايا، فقد لزمني أن أنهيها برواية ساخرة لجملة من نهايات العوالم الصغرى لبعض نسم آدم، من الذين لا يعلمون أن مجمل أيام بني آدم لا تزيد عن ثانية من يوم خلق عالم الشهادة، وفي كل ثانية منها قيام لأكثر من ساعة لمن ألقى السمع وهو شهيد.

 

انتهت سنة 2012 ولم ينته العالم على طريقة شعب مايا، لكن كثيرا من الأمور قامت عليها القيامة، ومنها كثير من الأساطير التي تبتدعها النخب الشاطرة للشعوب التي لا تتعلم من محن التاريخ، حتى في الأمة التي قال عنها دعيها فوكو ياما أنها صنعت للبشرية نهاية للتاريخ، فقد أعيد انتخاب الفتى الملون أوباما على رأس ولايات أمريكية مثقلة بالأزمة التي صنعها مجتمع المرابين، وهي تبحث عن تموقع جيوستراتيجي جديد يبعدها عن آبار نفط الخليج، ولعنة الشرق الأوسط التي تلاحق شعوبه وشعوب العالم، مع سلاطين وملوك ورؤساء خريف الاستبداد، كما مع الوافدين في قوافل ربيع الأعراب من تخاريف الإسلام ألإخواني.

  .

نهاية عالم العرب البائدة

نهاية العالم لم ينشغل بها كثيرا شعب سورية، وهو يسحق بين لحى رحى سلطة متمترسة خلف الدبابة الروسية، ومعارضة مجهولة الهوية، تخوض بالوكالة عن إمارات الخليج معركة تفكيك حلقة الوصل في ما يسمى بالهلال الشيعي، الذي بات يرصد كما يرصد الايرلنديون وحش “اللوكنيس”، وقبل أن يحتفل برحيل الأسد بداية السنة الجديدة أو بعد عقد من الزمن، سوف يحتفل الشعب العربي بسقوط دمشق، بعد أن احتفينا بسقوط ليبيا والسودان والصومال، ونتابع منذ تسع سنوات حلقات مسلسل سقوط بغداد، وسوف نتابع عن بعد سقوط القاهرة في الهاوية التي يصنعها أبناء أم الدنيا بأنفسهم.

بداية نهاية العالم لشعوب المغرب العربي كانت قد بدأت بظهور بعض أشراطها، وهي تتجمع حول قلبها وقلب المغرب العربي في إشعال بؤرة نار بجنوب الصحراء الكبرى، كان يفترض أن تنطلق نحوه طائرات الميراج الفرنسية مع نهاية السنة، وكنا سنستقبل الرئيس الفرنسي الجديد، لا كرئيس بلد يجتث نفوذه من حديقة فرنسا الخلفية في شمال إفريقيا، بل كقائد محارب ينجح حيث فشل غي مولي، ديغول، ومن جاء بعدهما في استعادة الصحراء الكبرى للحالمين بالإمبراطورية الفرنسية العظمى، لولا أن ثعلب الصحراء الجزائري كان أعلم بشعاب بلاد الساحل، وأطماع أمريكا، وهوان فرنسا على حلفائها في المعسكر الغربي.

.

النهاية الناعمة لإخوة حنون

نهايات العالم في بلدنا، المتمرد على ربيع العرب، بدعوى أنه أقام شعائره منذ عقدين، عاشها أكثر من فريق، بدءا بترحيل حزبي السلطة ورمزيهما من رئاسة الحكمة، وإخراج أحدهما أو كلاهما من سباق الرئاسيات القادم، وإنهاء اللعبة الديموقرطية للفريق الإسلامي الذي يوشك أن يغلق دكاكينه بدعوى الإفلاس، أو تغيير المحال والسجل التجاري، ترافقه الأحزاب الثقافية من القبائل الكبرى، التي فقدت بعد السعيد سعدي، دايها حسين الذي بلغد أرذل الحمر حين بلغت جبهة القوى الاشتراكية سن اليأس، وتقطعت بها سبل المشاركة ولو في “دكة” الاحتياط للفريق الحاكم، وحدها الست لويزة حنون لا تؤمن بنهاية العالم، وهي الزعيمة الوحيدة في العالم التي يفتخر بها زعيم عالمية العمال تروتسكي، وقد أوصلت حزبا تروتسكيا حيث أخفقت الأحزاب اللينينية، ولا تجد غضاضة في التحالف الانتخابي مع حزب التجمع الذي كانت تصفه منذ حين بالحزب الإستئصالي، وهي تعد مناضليها بجولة قريبة وفرص افضل مباشرة بعد رئاسيات 2014

.

قيام ساعة البحث عن خليفة

وبالمناسبة لا أحد من المنشغلين بنهايات عوالمهم الصغرى في هذا البلد الكبير يبحث في ظهور أشراط قيام الخلافة للرئيس، في حال عزوف الرئيس هذه المرة عن تحمل “أعباء” عهدة رابعة، وخذلان الأندية التي بدأت تتشكل لتفعيل حملة مطالبة الرئيس بعهدة رابعة، مع أن نهاية العهدة الثالثة على الأبواب، والرباعية ليست محسومة، والخليفة التوافقي غائب، وعلى طاولة الرهان مبلغ ضخم، قد يصل وقتها إلى 300 مليار دولار، يسيل لعاب أهل الدار، والجار الجنب، وما وراء البحار، وأن العوالم الصغرى لأمراء الموز والسكر والزيت، التي تخلقت في العهدات الثلاث قد تتعرض للطوفان، وفي الحد الأدنى تتعرض للعنات لا تقل عن اللعنات التي سلطها رب موسى على فرعون وآل فرعون، وتكون بداية عهد العهدة ما بعد الثالثة كقيام الساعة على إمبراطوريات نفعية، قد تزول وتفكك بنفس الأدوات التي شهدت ميلادها، لتخلفها إمبراطوريات تدين لمن ستؤول إليه الخلافة.

جمع من الذين ينتظرون ساعة نهاية العهدة الثالثة، لم يروا في بداية زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة ونهايتها في يومين، سوى محض تزكية فرنسية لعهدة رابعة، قد تحرمهم أو تحرم فارسهم ومهديهم المنتظر من الدخول في منافسة شريفة على خلافة رأس الدولة، فلم يرو في الزيارة سوى ما زعموا أنها تنازلات جزائرية بالجملة لفرنسا، فعابوا على السلطة الصفقة مع رونو، ولو كنت مع الأحزاب الأربعة عشر التي أصدرت هذا التقييم الذي اتهم الرئيس بالتسليم الكامل لضيفه الفرنسي، لكنت اتفقت معهم على أن الصفقة الخاسرة الوحيدة التي تمت بين الرئيسين كانت على مستوى الهدايا المتبادلة.

.

بداية الاعتذار عن نهاية جرائم الاستعمار

فقد حز في نفسي أن يعود هولاند بزوج من خيرة أحصنة البارب المغاربية، ويرجع رئيسنا بتمثال حصان من الرخام البارد، وقد علمت أن الإليزيه شكل فريقا مختصا باختيار هدية هولاند لبوتفليقة، لكن يبدو أن خزائن فرنسا المفلسة خاوية على عروشها، حتى أني رأيت شيئا من الحمرة والخجل تعصر وجه الرئيس الفرنسي وهو يبحث عن عبارات الاعتذار عن تواضع هديته، بعد أن صعقه سخاء المرادية، أو ربما يكون قد اعتقد أن الاعتذار عن تواضع هديته قد يقرأه بعض الجزائريين كبديل مقبول عن الاعتذار الممنوع على هولاند على جرائم الاستعمار، ولو كنت مع الفريق الفرنسي المنتقد لتنازلات هولاند على حد زعمهم، لكنت أخذت عليه فشل دبلوماسيته أمام ثعلب الصحراء في الملف المالي، حتى أن زيارته لم تكن قد انتهت للجزائر ليصعق بنبأ تصويت مجلس الأمن على قرار حول أزمة شمال مالي حابى فريق بوتفليقة، وأغلق الباب أمام طائرات الميراج، وأحلام اليقظة عند ساكن “الإليزيه” بالعودة لجوار أهل تمنراست وإليزي من بوابة الصحراء الكبرى، ولعلها كانت نهاية حلم الفارس هولاند بالتعويض عما فقدته فرنسا من إدارة ساركوزي لمسارات الربيع العربي في المغرب الإسلامي.

.

الثانية الأخيرة من ساعة “الجوراسيك” الأول

وكما ترى فإن رواية أسطورة نهاية العالم سنة 2012 لم تكن بعيدة عن الحقيقة، كما هو حال معظم الأساطير، التي تعمل على نشر الخوف والرعب بين العامة، وهي تراهن على الخوف الفطري المغروس في نفوس البشرية، المعرضة في كل لحظة وثانية لنهاية عوالم فردية وجماعية، وقيام عوالم أخرى، وهي لأجل ذلك لا تنطلي على المسلم الذي يعلم أن قيامته تبدأ لحظة ولادته، وتتكشف له ساعة وفاته حين يصير بصره حديدا.

علوم الفلك والفيزياء المعاصرة نزلت بكبرياء وعجرفة البشر إلى الحضيض، حين كشفت لهم مهانة هذه المعمورة الصغيرة، التي هي أصغر من حبة رمل قياسا مع حجم عالم الشهادة من الكون، وقد علمنا من قبل على لسان سيد المرسلين، من حديث الإسراء، أن ما السماوات السبع والأرض لهي كحلقات ملقاة بفلاة عند كرسي الرحمن، ونعلم من المعارف الحديثة، أنه لو كان عمر الكون يوم من 86400 ثانية لكان نصيب الكائنات الحية منذ زمن الجوراسيك الأول، وأهله من الدينصورات، لا يزيد عن ساعة من الزمن، وأن نصيب الإنسان الحديث منذ انقراض رجل “الكرومانيان” في كهوف أوروبا، وسيادة جنس “السابيان العاقل” كما يزعم علماء الجنس البشري، لا يزيد عن ثانية من هذا اليوم الذي قدر بأربعة مليارات ونصف مليار سنة، منذ أن تشكل زوج الأرض والقمر.

.

غواية قابيل وهابيل بساعة آدم

لو كان بيدي سلطان تعليم وتكوين الصفوة المتقاتلة منذ قابيل وهابيل على السلطة والمال لكنت ألزمتهم، بعد علم اللغة والحساب، بموجز مختصر عن علوم الفيزياء والفلك، لكي يعلموا حين ينتقلون لحلبة التهارش على الملك والثروة، وبناء المحميات لهم وللخلفة والعشيرة، هو محض سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، إذا كان أقصى ما يحلمون به من ملك، حتى لو كان على جملة اليابس من المعمورة، لا يزيد عن الثلث من ذرة لا تكاد تذكر، من كون هو مع كبره في أعيننا، ليس سوى حلقة ملقاة بفلاة عند كرسي الرحمن، وأن أقصى ما يحلمون به من مدد لدوام السلطان، لو أنه امتد لبعضهم، من لدن آدم حتى قيام الساعة، هو ساعة في يوم من أيام الله، وأن ما ينفقونه لترميم أبدانهم من المال الحرام، لن يضيف إلى أعمارهم مقدرا ثانية من ساعتهم القصيرة، قبل قيام ساعتهم الصغرى التي لا ينبغي لعاقل أن يبحث معها في أشراط قيام الساعة الكبرى.

 

مقالات ذات صلة